الجيش جاهز... كليرفيلد إلى بيروت والتنفيذ رهن قرار الحكومة

لم يعد النقاش يدور حول مستقبل الاتفاق الاطار بين لبنان وإسرائيل، بل حول كيفية تنفيذه ومن سيتحمل مسؤولية تعطيله إن تعثر. فبعد أشهر من المفاوضات العسكرية والسياسية في واشنطن، انتقل الملف إلى مرحلة التنفيذ العملي، حيث لم تعد العقبة تقنية أو عسكرية، بل سياسية بامتياز. فمصادر الجيش اللبناني تقول لـ"المدن" إنه أنجز كل ما طلب منه، والولايات المتحدة تضغط لإطلاق أولى مراحل التنفيذ، فيما تحاول إسرائيل فرض وقائع ميدانية جديدة وتحسين شروطها قبل الدخول في المرحلة التالية، بينما لا تزال الاتصالات مع حزب الله تدور في حلقة مفرغة. 


بين هذه العوامل، يقف الجنوب أمام استحقاق قد لا يقتصر على اختبار آلية أمنية جديدة، بل قد يؤسس لتوازن مختلف في إدارة المنطقة الواقعة على جانبي الليطاني.
في هذا السياق، تكشف المعلومات أن الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد يصل إلى لبنان خلال أيام ليبقى فيه وليبدأ الاشراف على انطلاق المرحلة الأولى من تنفيذ مشروع المناطق النموذجية، في إطار الآلية التنفيذية المنبثقة عن إتفاق الإطار.

 

القرار لدى مجلس الوزراء
وبحسب مصادر عسكرية تحدثت إلى "المدن"، فإن الجيش اللبناني أنهى كامل تحضيراته، وأعد خطته التنفيذية بصورة نهائية، فوضع الخرائط وحدد مراحل التنفيذ وجدولها الزمني، وكلف الضباط المعنيين بالمهمة، كما حدد الألوية وأفواج التدخل التي ستتولى تنفيذ المرحلة الأولى، وهي الوحدات المنتشرة أساساً في الجنوب ضمن الاتفاق الإطار.
وتؤكد المصادر أن المؤسسة العسكرية أصبحت جاهزة ميدانياً ولوجستياً، ولم يعد ينقصها سوى القرار السياسي الصادر عن مجلس الوزراء، الذي يمنحها الغطاء الرسمي ويبلغها مباشرة تنفيذ المهمة. فالجيش، كما تشدد المصادر، يلتزم القرار السياسي للدولة، ولا يتحرك إلا بناءً على تكليف رسمي يحدد الساعة الصفر.
رغم جهوزية الجيش، لا يزال التنفيذ رهناً بالاتصالات السياسية الجارية مع حزب الله، والتي لم تنجح حتى الان، بحسب المعلومات، في الحصول على موافقته لبدء الانسحاب وتسليم السلاح والقبول بتنفيذ المرحلة الأولى من المناطق النموذجية.
وتترقب الأوساط السياسية والعسكرية موقف الحزب، في ظل مخاوف من أن يؤدي أي إعتراض أو تعطيل إلى توفير الذريعة التي تبحث عنها إسرائيل لإعادة التصعيد، وربما العودة إلى حرب واسعة، خصوصاً أن إسرائيل لم تلتزم حتى اليوم بوقف كامل لاطلاق النار ولم توقف الامعان في إحتلالها.

 

ثلاث مناطق وبداية مدروسة
كم بات معروفا، تشمل المرحلة الأولى من التنفيذ بلدات زوطر الغربية، وفرون، والغندورية. وتوضح المصادر العسكرية أن زوطر الغربية تقع شمال نهر الليطاني، وهي منطقة غير محتلة، ولا وجود فيها لا للجيش الإسرائيلي ولا لحزب الله، ما يجعل تنفيذ المهمة فيها أكثر سهولة.
أما فرون والغندورية فتقعان جنوب الليطاني، حيث ينتشر الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، فيما يحتفظ حزب الله بوجود غير معلن له.
وتشير المصادر إلى أن الجيش الإسرائيلي كان قد وصل خلال الحرب إلى الغندورية قبل أن ينسحب منها، كما إنسحب من فرون، إلا أن الأخيرة تتمتع بأهمية إستراتيجية، لأنها تشرف على نهر الليطاني حتى دير سريان، وتطل على وادي الحجير، ومنها كان حزب الله يطلق الصواريخ الكورنيت الموجهة باتجاه القوات الإسرائيلية.
في المقابل، تعتبر إسرائيل أن زوطر الشرقية ويحمر الشقيف هما العقدة العسكرية الأهم، لأن إستمرار وجود قواتها فيهما يبقي، من وجهة نظرها، السيطرة على قلعة الشقيف.

 

خلية إرتباط لإدارة التنفيذ
بالتوازي مع جهوزية الوحدات العسكرية، شكل الجيش اللبناني خلية إرتباط ولجان متابعة تتولى التنسيق مع الجانب الأميركي خلال تنفيذ المشروع. وتضم الخلية قيادة قطاع جنوب الليطاني، والألوية والأفواج المنتشرة جنوب الليطاني، ومخابرات الجنوب، إضافة إلى الفرع الاستراتيجي في مديرية المخابرات، باعتباره الجهة المختصة بالعلاقات الدولية.
تعمل جميعها تحت إمرة مديرية العمليات برئاسة العميد جورج رزق الله، فيما يتولى قائالد قطاع جنوب الليطاني العميد نقولا تابت قيادة فريق الارتباط ميدانياً والإشراف على التنسيق المباشر مع الجانب الأميركي.

 

الساعة الصفر
أخيرا، تشدد المصادر العسكرية على أن الجيش اللبناني، رغم إستكمال كل تحضيراته، لا ينظر إلى مشروع المناطق النموذجية بوصفه نهاية المطاف، بل باعتباره خطوة تنفيذية ضمن الاتفاق الإطار، الذي يبقى هدفه الأساسي تثبيت وقف الأعمال العدائية وتهيئة الظروف لتحقيق الاستحقاق الأهم، والمتمثل في الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة.
لكن الساعة الصفر لا ترتبط اليوم بالجهوزية العسكرية، بقدر ما ترتبط بالقرار السياسي. فالجيش، الذي أنجز خططه وحدد وحداته وضباطه وآليات تنفيذه، لا يستطيع التحرك قبل صدور التكليف الرسمي من مجلس الوزراء، فيما لا تزال الاتصالات مع حزب الله، بحسب المعلومات، من دون إختراق يسمح بإطلاق المرحلة الأولى من المناطق النموذجية. ومن هنا، يتحول موقف الحزب إلى أحد المفاتيح الأساسية لتحديد موعد التنفيذ.
وفي المقابل، لا تبدو إسرائيل، رغم موافقتها على إطلاق المرحلة الأولى تحت ضغط أميركي، في وارد تسهيل مسار التنفيذ. فهي تواصل خروقاتها لاتفاق وقف الأعمال العدائية، وتكثف رسائلها السياسية والعسكرية عبر تصريحات مسؤوليها التي توحي بعدم الاستعداد لاستكمال الانسحاب من الجنوب، في موازاة محاولات متواصلة لفرض وقائع ميدانية جديدة وتحسين شروطها قبل الانتقال إلى المراحل التالية من الاتفاق.
وبذلك، لم يعد نجاح المرحلة الأولى مرتبطاً بقدرة الجيش اللبناني على الانتشار، فهذه الجهوزية أصبحت أمراً واقعاً، بل بمدى توافر ثلاثة عناصر متلازمة: صدور القرار السياسي اللبناني، والتزام إسرائيل الكامل بمندرجات الاتفاق الإطار، وموقف حزب الله من أول إختبار عملي سينقل الاتفاق من مرحلة النصوص والتفاهمات إلى مرحلة التطبيق الفعلي على الأرض، بعدما بقي رهينة التجاذبات السياسية والميدانية.