الحرب عائدة... بإرادة أطرافها جميعاً

أياً يكن سيناريو ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، ومَن يفوز فيها، لن تتضح الوجهة المقبلة للأحداث والحروب الدائرة قبل مرور شهرين أو ثلاثة على الأقل. وإذا لم يتمكّن الرئيس الأميركي من "فرض" حكومة وحدة وطنية، باعتبارها مصلحة أميركية، فإن إعادة الانتخابات ستكون الخيار الوحيد، حتى لو كان مشكوكاً في أن تُسفر عن تغيير أساسي في الخريطة السياسية. 

في أميركا كما في إسرائيل

في واشنطن، حسم دونالد ترامب أن صلاحياته الرئاسية لن تمنعه من مواصلة حربه على إيران، حتى لو خسر الغالبية الجمهورية في الكونغرس في انتخابات الثلثاء المقبل.

أما في إسرائيل فليس واضحاً ما إذا كانت "حكومة تصريف الأعمال"، مع كنيست معلّقة، تستطيع أن تقرّر المشاركة في عمليات عسكرية واسعة ضد إيران، علماً أن مواصلة الحروب لم تكن مسألة خلافية في الحملات الانتخابية للأطراف المتنافسة.

في أميركا كما في إسرائيل، لن يكون هناك بحث جدّي في حلول وتسويات، بالنسبة إلى لبنان وغزّة والضفة الغربية وسوريا، ما لم يُحسم أمر إيران (ووكلائها)، بالحرب أو بالتفاوض، وقد تبيّنت الصعوبة في الحالين.

وفيما أُرجئ استئناف التصعيد إلى ما بعد الانتخابات الأميركية،، رغم استماتة بنيامين نتنياهو للتعجيل فيه تعزيزاً لحظوظه في الانتخابات، فإن العواصم المعنيّة متيقنة من أن الحرب عائدة، وبإرادة أطرافها جميعاً.

في الانتظار، حافظ ترامب على هدنته الموقتة مع إيران، واستغلّتها الأخيرة لاستكمال حربها على السعودية بواسطة أدواتها الحوثية. ومن جهتها حافظت إسرائيل على الوتيرة اليومية لجرائمها وانتهاكاتها. فلا تغيير على الأرض، لا في غزّة حيث استمرت عمليات الاغتيال والتدمير رغم وقف النار، ولا في لبنان حيث تستعدّ لمرحلة جديدة من توسيع احتلالها ولا تبدي أي جدّية في المفاوضات المباشرة، ولا في الضفة حيث كُلّف المستوطنون تخريب موسم الزيتون والمضي في اعتداءاتهم، ولا في سوريا حيث تكرّر إسرائيل توغلاتها في الجنوب وتصرّ على العبث والتدخّل في مسألة السويداء. 

وفي هذه اللحظة الدقيقة قرّرت دول "حلف مكّة"، بصفتها هذه، فتح حوار مع إيران يهدف إلى تجنّب تجدّد الحرب والدفع نحو إحياء المفاوضات بين طهران وواشنطن، ولم تكن تتوقع إحراز نتائج فورية بل وضع قواعد "مشتركة" للعلاقات في مرحلة ما بعد الحرب. ومن الواضح أن طهران فصلت بين ملفّين، الأول يتعلق بالأمن الإقليمي و"الآلية" التي سبق أن طرحتها "من دون أطراف خارجية" لتقتصر تحديداً على المنطقة الخليجية وتكون هي المهيمنة فيها، ولذلك بدت غير معنية بأي تفاهمات إقليمية موثّقة تحت عنوان "عدم الاعتداء". أما الملف الآخر فيتعلّق بالحرب مع الولايات المتحدة، وبالتالي إذا كان لديها ما تقدمه لإنهاء الحرب (البرنامج النووي، مضيق هرمز، الميليشيات...) فإنها لن تضعه في جعبة "حلف مكّة" بل تريد المساومة عليه مع واشنطن في ما يخصّ دورها المستقبلي ونفوذها.

لم تتعامل إيران مع مبادرة دول الحلف، السعودية وتركيا وباكستان، على أنها "فرصة" قد تجنبها مزيداً من الخسائر، بل اعتبرتها تأكيداً لتعاظم قوّتها التي اكتسبتها بفضل الحرب، فهي لا تزال تعتقد أنها في صدد أن تهزم الولايات المتحدة. وإذا كانت المصالح هي التي دفعت ترامب إلى الحرب وتدفعه الآن للسعي إلى إنهائها، فإن ما يهيمن في إسرائيل كما في إيران هو التعصّب الأيديولوجي ومنطق السيطرة. وفي وضع كهذا لا مكان للعقلانية ولا للاعتدال.