المصدر: وكالات
الثلاثاء 29 أيلول 2026 17:59:23
دخل المجتمع الإيراني مرحلة شديدة الحرج في إدارة نفقاته اليومية مع مرور 7 أشهر على نشوب الحرب الإيرانية مع الولايات المتحدة الأميركية، حيث ألقى الحصار البحري وتوقف شريان صادرات النفط بظلال ثقيلة على القدرة المعيشية.
إذ تجلت مظاهر الأزمة في تفاصيل شاقة تعيشها العائلات، تتنوع بين العجز عن شراء الأدوية الأساسية وسداد إيجارات المنازل، إلى جانب الفقدان الواسع للوظائف في القطاع الخاص والتراجع الحاد في مستويات الدخل.
فقد كشفت إفادات مواطنين من العاصمة طهران ومدن أخرى عن شلل امتد إلى أدق التفاصيل الحياتية، متسللاً إلى الرعاية الصحية ونفقات الأطفال ودخل أصحاب الأعمال الصغيرة، وفق ما أفادت وكالة رويترز.
وأكدت هدية، وهي ربة منزل في الستينيات تعيش بشمال طهران على راتب تقاعد زوجها الضئيل، أنها باتت تكافح لتوفير مستلزمات والدتها المصابة بالزهايمر كالحفاضات والأدوية. وحينما قصدت السوق لشراء حقيبة مدرسة لحفيدها فوجئت بقفزة قياسية في السعر تعادل خمسة أضعاف توقعاتها، لتكتفي بدفتر وأقلام فقط.
بدوره، عبر المدرس أ. ج. عن عجزه عن شراء أدوية والدته بانتظام بعدما اضطر للانتقال مع أسرته إلى قرية شمالية نتيجة تحول المدارس للتعليم عبر الإنترنت، وسط مخاوف حقيقية من عدم قدرته على تحمل تكاليف العودة لطهران حال استئناف الدراسة الحضورية.
كما دفعت التكاليف الباهظة المعالجة النفسية نازنين البالغة من العمر 34 عاماً في مدينة سنندج بكردستان إلى الإقلاع النهائي عن التدخين بعد سنوات من العجز عن تركه.
في حين أضحت السوق السوداء منفذاً رئيسياً لتجاوز العقبات البيروقراطية رغم كلفتها المرتفعة، إذ اضطر أحد المواطنين لدفع 200 دولار بالعملة الصعبة إلى جراح بهدف استثناء إجراءات رسمية معقدة لخضوعه لعملية جراحية.
وعلى صعيد آخر، تحدث مواطنون عن تزايد ظواهر طلب الرشاوى في النقاط الأمنية، حيث دفع أحدهم مبالغ مالية مضاعفة لرجال الشرطة عند توقيفه دون أوراق هوية.
وفي ظل هذه الضغوط، اضطرت الموظفة م. ه. لإعادة أموال دفعها معملها السابق للضمان الاجتماعي عقب إلغاء عقدها الممتد لعام بشكل مفاجئ هذا الشهر، لتكتفي أسرتها بالإنفاق على الطعام وخدمة الإنترنت لمشاهدة الأفلام والتواصل.
هذا ورصد مهندسون وتجار تحولات عميقة في البنية الاجتماعية، حيث اضطر بيجان البالغ من العمر 40 عاماً وزوجته لاستنفاد مدخراتهما ومغادرة شقتهما بطهران ونقل حياتهما إلى منطقة شبه عشوائية خارج العاصمة، والعمل في إعطاء دروس خاصة بانتظار الانتقال لمدينة أبعد وأرخص.
وعبر المهندس المعماري أ. أ. عن تراجع مستويات رفاهية الطبقات الأكثر دخلاً، مشيراً إلى قيادته سيارته بإطار احتياطي تالف لأسبوعين لعدم قدرته على شراء إطار جديد فوراً، محذراً من أزمة طاقة متوقعة قد تعطل سلاسل الإمداد.
فيما أكد بهنام رياضي مالك أحد المطاعم، ورامين يوسفنيا صاحب متجر بقالة بطهران، أن الزبائن باتت تقيد مشترياتها للحد الأدنى كقطعتين بدلاً من 10، في حين يبيع التجار بهوامش ربح شبه معدومة لتفادي الإغلاق والبطالة.
أتت هذه الوقائع والشهادات متوافقة مع تسجيل البنك المركزي الإيراني معدل تضخم سنوي بلغ 84.4 % في أغسطس، وقفزة لتضخم السلع الاستهلاكية بلغت 92.2 %، إلى جانب وصول سعر الدولار في السوق الحرة إلى 2.4 مليون ريال، متزامناً مع توقعات صندوق النقد الدولي بانكماش الاقتصاد بنسبة 6.1 %، رغم القرارات الحكومية برفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 60% وتوزيع قسائم التموين لمواجهة تداعيات الحصار.
وترجع جذور التصعيد الحالي إلى تفعيل الدول الأوروبية إعادة فرض العقوبات الأممية على طهران، ما أدى إلى تداعي الاستقرار الاقتصادي ونشوب موجة احتجاجات عارمة شملت عدة مدن في يناير الماضي.
لكن الأزمة تفاقمت بصورة غير مسبوقة مع شن الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية واسعة ضد إيران قبل 7 أشهر، رافقها فرض حصار بحري صارم على الموانئ الإيرانية، مما قطع شريان التصدير الأساسي المتمثل في شحنات النفط.
في المقابل، فرضت طهران قيوداً مشددة على حركة الناقلات عبر مضيق هرمز، مما تسبب في إرباك أسواق الطاقة العالمية وارتفاع أسعار النفط والغاز دولياً، ليدفع الطرفين نحو جولة جديدة من التحركات الدبلوماسية تحت ضغط الخسائر الاقتصادية.