المصدر: أساس ميديا
الكاتب: وليد شقير
الجمعة 9 تشرين الأول 2026 07:19:41
يسابق “الحزب” مشروع عودة الدولة اللبنانيّة إلى الجنوب، بإعلانه نيّته تقديم إعانات للنازحين جرّاء مغامرته العسكريّة في 8 تشرين الأوّل 2023 لنصرة غزّة، ثمّ في 2 آذار 2026 لنصرة إيران و”ثأراً” لاغتيال المرشد الأعلى عليّ خامنئيّ. يجانب الاعتراف بأنّ خطيئة غلوّ اعتداده بقوّته، المستمدّة من المكابرة الإيرانيّة، قادتْه بفعل التغوّل الإسرائيليّ إلى نكبة الجنوب ولبنان برمّته. بل هي كرّست انتقاله من صفة “مقاومة” العدوّ، إلى ميليشيا متمرّدة على السلطة الشرعيّة الساعية إلى استرداد قرار لبنان من إيران.
قد تكون مصادفة إعلان الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم عن مشروع دفع بدلات إيواء للنازحين بعد ثلاثة أيّام على الزيارة الناجحة لرئيس الحكومة نوّاف سلام للنبطيّة.
أبرز مظاهر النجاح كان هذا التوق للدولة الذي عبّر عنه العديد من الأهالي. وهو توق يقلب معادلة اتّكال الجنوبيّين لأكثر من عقدين على “دولة الحزب” وإمكاناتها الماليّة، الإيرانيّة المصدر، إلى معادلة نقيضة تماماً تقوم على الحاجة إلى أجهزة الدولة وقوانينها ووحدانيّة سلطتها ورعايتها لمستقبلهم.
في تلك الزيارة بدا أنّ اتّجاهاً شعبيّاً أخذ يتمظهر في البيئة الحاضنة لـ “الحزب”، تأسّس على فشل الركون إلى جهة حزبيّة تمارس الانحياز الاعتباطيّ في إدارة شؤونهم، وتتحكّم سياسيّاً بعلاقاتهم بالمكوّنات الشعبيّة الأخرى في البلد. والأهمّ أنّ ربط مصيرهم بخطط دولة أجنبيّة هي إيران قادهم إلى كارثة.
أفول التّفوّق الماليّ… وبرّي والدّولة
التعبئة الإعلاميّة والعقائديّة والسياسيّة لشريحة مُعيّنة من اللبنانيّين بأنّ وجودهم وحياتهم وأمنهم تعود إلى حديديّة “الحزب”، وربطهم المذهبيّ بالدولة الفارسيّة وقوّتها الإلهيّة، انتهيا إلى التسبّب بنكبتهم بعد برهة من “العزّة” جلبها ذلك الارتباط. الالتفاف الشعبيّ حول “الحزب” قام نتيجة القوّة العسكريّة تارةً والقدرات الماليّة تارةً أخرى، ونتيجة الخضوع للسطوة الأمنيّة والعسكريّة خوفاً، تارة ثالثة.
في زيارة رئيس الحكومة الثالثة للنبطيّة، تجرّأ البعض على الخروج من عباءة “الحزب” إلى طلب الانضواء تحت كنف الدولة. وهذا أكثر ما يقلق العقل السياسيّ والأمنيّ في “الحزب”. فهو يشعر بالتذمّر من ضيق ذات الحال لدى العائدين إلى السكن وسط الركام، بعد أن نفدت المبالغ المتواضعة التي حصلوا عليها عند بدء التهجير. وفضلاً عن أنّ هذا التذمّر يظهر على الشاشات أحياناً، فإنّ “عسس” الميليشيا يسمع الهمس بالتساؤل عن “جدوى ارتباطنا بالمحور (الإيرانيّ) بعدما تهدّمت بيوتنا”، وسط البيئة المنكوبة في القرى لدى الفقراء والطبقة الوسطى وحتّى الميسورة التي كان بعضها اقتنع بأنّ “ادّعاء” القوّة الردعيّة جلب الاستقرار للجنوب.
لكنّ أكثر ما أقلق قيادة “الحزب” أنّ زيارة سلام للنبطيّة قوبلت بتجاوب لافت من قبل حركة “أمل”، وهذا ما لم يكن ليحصل من دون ترحيب “الأخ الأكبر” رئيس البرلمان نبيه برّي. فالأخير وإن كان يساير إيران بالاعتراض على خيار السلطة بالمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، ويعتبر أنّ “اتّفاق الإطار طار” جرّاء التعنّت الإسرائيليّ، لم يغادر موقفه الرافض لتوريط “الحزب” لبنان في الحرب مع إسرائيل منذ 8 تشرين الأوّل 2023 بعدما صدقت مخاوفه من عواقب التغوّل الإسرائيليّ بسبب تلك الورطة. وهو يدرك أن لا قيامة للجنوب إلّا عبر الدولة والحاجة إلى إمساكها بزمام الأمور لضمان مساعدة المجتمع الدوليّ والعربيّ على الخروج من النكبة.
مفارقات “الحزب”… وإغفال 8 أكتوبر
لم يكن سهواً إغفال “الحزب” في بيانه عن الذكرى الثالثة لـ”طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، ذكرى إطلاقه في اليوم التالي 8 تشرين الأوّل عمليّة “إسناد غزّة” التي سمّيت لاحقاً “أولي البأس”، كأنّه يتجنّب تذكير الجنوبيّين واللبنانيّين بالتحاقه العسكريّ بالخطط الإيرانيّة. اكتفى بإشارة خجولة إلى ما جلبته تلك الخطيئة، بالقول: “إنّ الظروف ليست أقداراً عصيّةً على التغيير، وإنّ إرادة الشعوب حين تحسن توظيف عناصر التحوّلات قادرة على صياغة الحاضر وصناعة المستقبل”. بهذه العبارة حاول إقناع الجنوبيّين، وإقناع نفسه، بإمكان الخروج ممّا يجلبه استمرار التحاقه بإيران على بيئته. لكنّ بيانه يعِدُ قواعده بأنّ الهزيمة “رغم كلّ ما أنجزوه (الطغاة) من نجاحات تكتيكيّة سيبقون عاجزين بل مشلولون عن استثمارها لتحقيق وضع استراتيجيّ مستقرّ لمصلحتهم”. هكذا حاول الإيهام بأنّ مواصلة الرهان على إيران سيقلب الهزيمة إلى انتصار إيرانيّ مزعوم.
الوعد بالمال، الذي كان من أسباب قوّته، جزء من سعي “الحزب” لاسترداد بعض هيبته المتآكلة. والمفارقة أنّ الشيخ قاسم وضع هذا الوعد في سياق الحديث عن “الضغط على الدولة” التي يمعن في تهشيمها، كي تساهم في دفع أموال الإيواء والإعمار. وهي مفارقة توازي أخرى شبيهة في رفضه البحث بالسلاح لأنّ “المقاومة” مستمرّة لدحر الاحتلال الإسرائيليّ، فيما نصح الدولة بأن “اطلبوا الانسحاب الإسرائيليّ” بدلاً من الحديث عن “حصريّة السلاح”، أي أنّه يطالب الدولة بالقيام بما تقوم به، عبر علاقاتها الدوليّة، وفي المفاوضات التي يرفضها.
احتمال تحريك “الحزب” عسكريّاً؟
يتساوى ترويج المسؤولين الإيرانيّين المتجدّد لاشتراط وقف الحرب الإسرائيليّة على لبنان، من ضمن شروطهم المعلنة لفتح مضيق “هرمز” والعودة للمفاوضات، مع وعد الشيخ قاسم بتوفير مساعدات الإيواء للنازحين، لإيهام البيئة الحاضنة بأنّ طهران ستعوّض الخسائر الناجمة عن إلحاق “الحزب” لبنان بها.
مع أنّ الحصار الماليّ على طهران أنهكها وقلّص قدرتها على تهريب الأموال إلى “الحزب”، فإنّ وظيفة ترويج قيادتها لمساعدته ماليّاً (تقرير رويترز عن 200 مليون دولار لـ”الحزب”)، هدفها إبقائه احتياطاً ممكناً إذا احتاجت إلى تحريكه عسكريّاً، في حال اندلعت الحرب مجدّداً بين طهران وبين أميركا وإسرائيل. فإعطاؤها الأولويّة لتحريك الحوثيّين لا يلغي هذا الاحتمال.
إمكان فشل “المراهقة” الحوثيّة في تهديد باب المندب، بعد الهجوم المضادّ من الشرعيّة اليمنيّة المدعومة من المملكة العربيّة السعوديّة المتسلّحة بـ “اتّفاق مكّة” الدفاعيّ، قد يدفع طهران إلى التضحية مجدّداً بـ”الحزب” في مشروعها الانتحاريّ بالتنقّل بين الجبهات ردّاً على استهدافها.