المصدر: نداء الوطن
الكاتب: زيزي اسطفان
الجمعة 15 أيار 2026 07:04:42
في البيئة المؤيدة لـ"حزب الله"، تحوّلت تعابير الفقدان والخسارة والألم إلى تعابير فرح وفخر: فالضحية شهيد سعيد، والموت ارتقاء، والعزاء تهنئة وتبريكات، والفقدان صمود وانتصار... الحق في الحزن ممنوع قسرًا، والمجاهرة بالوجع انكسار غير مسموح... عقيدة تبرّر، بسرديتها، قمع الأحاسيس، فلا تكتفي بغسل العقول وإذابتها في الأنا الجماعية، بل تسعى للاستحواذ على الأحاسيس وإملاء ما يجب الشعور به وما هو محرّم من مشاعر. وفي ظل ذوبان الفرد ضمن المجموعة، لم يعد للشعور الفردي مكان، وبات كل فقدان مسموحًا ومبرّرًا في سبيل أن تبقى المجموعة واقفة ومنتصرة، وإن كان انتصارًا وهميًا... لبنانيون يعيشون وجع الحرب بأفظع أوجهها، يعانون خسائرها وويلاتها، لكن في خضم الوجع يعيشون صعوبة التعبير عنه. فبين الخوف من اتهامهم بالخيانة إذا تحدثوا عن خساراتهم، والخشية من استغلال هذا الوجع ضد قضيتهم، يختار كثيرون الصمت على حساب آلامهم، خشية أن يُساء فهمهم.
في الحروب لا يخسر الناس حجارة بيوتهم فقط، بل يخسرون أجزاء من أنفسهم أيضًا. خسارة يتعاملون معها كل على طريقته، فيبكونها بصمت أو صراخ، في ظلمة زواياهم أو ضوء شاشات الإعلام.
العاملة الاجتماعية والاختصاصية في التدخل النفسي الاجتماعي في الحروب والاضطرابات داليا اللقيس، تشرح أن الأحاسيس والمشاعر تنقسم إلى جزءين: جزء فردي يشعر به كل شخص بطريقة خاصة، وجزء جماعي يصيب المجموعة ككل. لكن المؤكد أن ما يصيب المجموعة يعيشه كل فرد بطريقته الخاصة، حتى ولو كانت الخسارة نفسها والفقدان نفسه، ولا يمكن توقع رد الفعل الذي يقوم به الشخص تجاه حدث معين، حتى لو كان حدثًا جماعيًا. فكل شخص فريد، آت من بيئة معينة وله ظروفه الخاصة، ولا يمكن حصره برد فعل واحد. فمن فقد بيته مثلا للمرة الأولى، يختلف برد فعله عمن فقده للمرة الثانية أو الثالثة، ومن خسرت منزلها ولا من يؤويها مع عائلتها، تعيش فقدان البيت بشكل مغاير لمن هو قادر على توفير مأوى له أو بيت آخر. ومن يستطيع الرحيل واللجوء إلى مكان آمن، هو غير المجبر على البقاء ولو على أنقاض بيت مهدّم... عوامل اجتماعية، اقتصادية ودينية، إضافة إلى خبرة الحياة وتوافر موارد الدعم، كلها تؤثر في رد فعل الإنسان تجاه الفقدان، وبالتالي لا يمكن التعميم ولا توقع رد الفعل، كما لا يمكن إملاء رد فعل معين على من فقد بيته أو محاسبته على شعوره، كما لا يمكن مطالبته بالتماسك والتعالي على الجراح. فالشعور بالحزن والفقدان، شعور عفوي تلقائي لا يمكن برمجته، والآه تصدر عن الإنسان رغمًا عنه...
خسارة البيوت وديكتاتورية القمع
أمام ديكتاتورية القمع وتفضيل مصلحة الجماعة على حساب الفرد، يجد الضحايا أنفسهم في واقع متناقض ضاغط. عقليًا هم يؤمنون بوجوب تقديم أبنائهم للشهادة خدمة لمثل عليا غُرست في أذهانهم، ولكن بإحساسهم لا يمكنهم مغالبة الشعور بالوجع والبكاء على ما فقدوه. ويسهم الإعلام الموالي لـ"حزب الله" وجيوشه الإلكترونية في خلق سردية واحدة: الوجع خنوع وهو يؤثر في معنويات الجماعة، من هنا يجد ضحايا القتل والتهجير أنفسهم مضطرين لأن يقولوا أمام الإعلام كلامًا لا يشعرون به في قرارة أنفسهم، أو يظنون أنهم مقتنعون به كونهم اعتادوا على سماعه، لكن حين يعودون إلى أسرّتهم مساء، لا يمكن إجبارهم على التماسك وعدم البكاء. فقمع المشاعر لا يلغيها ولا يزيل أسبابها، بل يحوّلها أمراضًا واضطرابات نفسية وسلوكية كامنة، تخلق قلقًا وكآبة وغضبًا وانعزالا، وتترك آثارًا طويلة الأمد لا تتوقف على الصعيد الشخصي فحسب، بل تطاول حتى الصعيد الاقتصادي وتؤثر في الإنتاجية وقدرة المجتمع على التعافي. فالفرد، كما المجتمع، بحاجة إلى الحداد والبكاء على ما ومن فقد، ليستطيع المضي قدمًا في ما بعد. من هنا ترى اللقيس ضرورة خلق بيئة مؤاتية لكل موجوع ليعبّر عن حزنه ووجعه بدل قمعه ومحاولة إسكاته.
حتى اليوم بلغ عدد الوحدات السكنية المدمرة كليًا أو جزئيًا وفق بعض التقارير 62000 وحدة، و"الحبل على الجرار"، إذ لم يتوقف تدمير المنازل بعد، وتأتي هذه الخسائر لتضاف إلى خسارة بيوت ومساكن خلال حرب 2024 لم يُعد إعمارها بعد. وخسارة البيت ليست مجرد خسارة حجر أو رزق أو حتى ذكريات، فالبيت، وفق اللقيس، هو "نحن، وحين نخسر بيتنا نخسر أنفسنا ونصبح عراة تجاه الخارج. البيت ولو كان كوخًا هو مكاننا الخاص في مواجهة الخارج أو الفضاء العام، فيه نشعر بالأمان والخصوصية، وبخسارته نخسر الحرمة والخصوصية والحماية من الخارج".
في لبنان وفي قرى الجنوب خصوصًا، لم يخسر الناس منازلهم فحسب، بل خسروا معها مناطقهم واقتُلعوا من جذورهم، خسروا الانتماء إلى محيط اجتماعي حاضن وداعم، خسروا العلاقات والذكريات، وبالتالي لا يمكن الاستخفاف مطلقًا بهذه الخسارة والتقليل من وقعها وأهميتها. فأهل الجنوب، بعد تهجيرهم من أرضهم وبيوتهم، أحسوا بأن الأرض اهتزت من تحتهم وما عاد فيها شيء راسخ يتشبثون به. صاروا بلا وزن، سريعي العطب، فكيف يمكن أن نملي عليهم ما يجب أن يقولوه أو يحسوا به؟ مع فقدانهم لبيوتهم فقدوا أنفسهم وفقدوا الهوية والانتماء، وإلى جانب الموت تُعتبر هذه الخسارة القصوى، فالحرب اقتلعتهم من أرضهم، واللجوء عزلهم عن بيئتهم وأغرقهم في حال من العزلة الفردية والاجتماعية، وولّد لديهم حالًا من الاكتئاب ولو حاولوا إخفاءها. فكيف يمكن تخوين هؤلاء المتألمين إن حكوا، واتهامهم بالإساءة إلى بيئة المقاومة وصمودها، وإعطاؤهم دروسًا وعظات في الوطنية...؟ كيف يمكن ممارسة ديكتاتورية القمع في وجههم وتسليط الشتامين عليهم؟
فاديا الحناوي، السيدة الجنوبية البسيطة، لم تقم بأكثر من رد فعل طبيعي، عبّرت فيه عن حزنها وتعبها وشعورها بفقدان الأمان والأمل، مع فقدانها لبيتها الذي كدّت طوال حياتها لبنائه ليكون مأوى وسندًا لها ولعائلتها. هي ليست حالا فردية بل تمثل الكثيرين من أهل الجنوب الذين يشعرون مثلها لكنهم لا يجرؤون لسبب أو آخر على قول ما قالته، كلامها العفوي لم يحمل أهدافًا سياسية أو خلفيات معينة، بل جاء نتيجة وجع خالص لا يستحق أن يُجابَه بكل ما جوبهت به.
استجابة مبرمجة
إذا كان التعبير عن الألم حالا فردية، فإن مقابلة هذا الألم تكون، وفق ما تقوله داليا اللقيس، إما بالتعاطف معه، أو بالحكم على صاحبه والإساءة إليه. وهذه الاستجابة لا تكون في غالب الأحيان مجرد استجابة إنسانية بحتة، بل تفرضها البيئة والمجتمع والمصالح الدينية والطائفية والسياسية، وترتكز إلى التوقعات الجماعية والزاوية التي يُنظر منها إليها. فمن رأى في كلام الحاجة إساءة إلى المقاومة وصمود الأهالي ومعنوياتهم، قام برجمها وتخوينها، ومن نظر إليها كإنسانة فقدت كل شيء، تعاطف معها، أما من رأى في كلامها فجوة سياسية يمكن استخدامها ضد المقاومة، فقد استغل شعور الألم هذا لمصلحة توجهاته السياسية. لكن وسط كل هذه التناقضات لا يمكن لأحد إجبارها على الشعور بغير ما تشعر به، ولا يمكن أن يطغى الشعور الجماعي على الفردي...
كيف يمكن أن نفهم ما تواجه به فاديا الحناوي وغيرها ممن يعبّرون عن وجعهم؟ ثمة مفارقة وتضارب في الاستجابة، تؤكد اختصاصية النفس الاجتماعية داليا اللقيس، فمن جهة هناك حب وتعاطف، ومن جهة أخرى حكم ولوم أو حتى ضغينة وحقد، ورغم كون هذه المشاعر طبيعية وموجودة حتى داخل كل إنسان، إلا أنها في الحرب تتخذ مظاهر أكثر حدة، لأنها تصبح مرتبطة بقضية عقائدية سياسية عليا. ولكن هذا الانقسام الذي نشهده في لبنان حول وجع الناس ومحاولات القمع أو الاستغلال، لا يخدم في الواقع سوى إسرائيل، لأنه يزيد التفرقة والتقسيم، بينما الحل ليس في الاصطفاف السياسي الحاد، حتى حيال المشاعر، بل بالإضاءة أكثر وأكثر على التضامن الإنساني العفوي بين الناس، بعيدًا من الأجندات السياسية أو الاستغلال الإعلامي من جهة، وتفهّم شعور البيئة المقابلة من جهة أخرى من الطرفين، سواء من بيئة "الحزب" أو البيئة المقابلة له.
لعل أكثر ما تحتاجه المجتمعات الخارجة من الحروب، ليس إعادة إعمار الحجر فحسب، بل أيضًا فتح مساحة آمنة للكلام، حيث يستطيع الناس أن يرووا خوفهم وحنينهم وغضبهم وأسئلتهم، من دون خوف من الأحكام الجاهزة. لأن الوجع المكبوت لا يصنع صمودًا حقيقيًا، بل يترك جراحًا صامتة تمتد طويلا في أرواح الناس. فهل سيترك "حزب الله" الحرية لأبناء بيئته ليعبّروا عن وجعهم؟ أم سيتمسك بسردية النصر المزعوم؟