الحويّك طوباويًا… لبنان يستعيد رجاءه

في زمن الانهيارات الكبرى، حين تتزاحم الأسئلة الوجوديّة على اللبنانيّين، ويغدو الخوف على الوطن هاجسًا يوميًا، أطلّت من روما بشارة حملت للبنان نفحة رجاء جديدة: توقيع قداسة البابا لاوون الرابع عشر مرسوم إعلان البطريرك الماروني إلياس الحويّك طوباويًا، في حدث روحاني ووطني في آن.

وفي بيان مؤثّر، رفعت جمعيّة راهبات العائلة المقدّسة المارونيّات الشكر لله على "نعمة تطويب أبيها المؤسّس"، البطريرك الذي وصفته بـ "رجل العناية الإلهيّة" و"البطريرك القدّيس"، مؤكّدة أن إعلان تطويبه في هذا التوقيت "بركة من بركات السماء"، وعلامة رضى إلهي على رجل كرّس حياته "لخدمة الله والكنيسة والوطن والإنسان، كل إنسان، بوصف لبنان طائفة واحدة لبنانية".

الحويّك وطنيًا...

ليس الحويّك اسمًا عابرًا في التاريخ اللبنانيّ. إنّه بطريرك لبنان الكبير، والرجل الذي ارتبط اسمه بقيام الكيان اللبنانيّ الحديث. فمن عصبة الأمم عام 1919، حيث مثّل لبنان وطالب باستقلاله، إلى حضوره إعلان دولة لبنان الكبير إلى جانب الجنرال غورو عام 1920، رسم الحويّك ملامح وطن أراده مساحة لقاء بين أبنائه، واختصرها بعبارة "أنا لكل اللبنانيّين". لذلك، رأت رئاسة الجمهورية أن إعلان تطويبه اليوم، بالتزامن مع مئويّة الدستور اللبناني، يحمل دلالة عميقة، وكأن العناية الإلهية تعيد التذكير بجوهر الفكرة اللبنانيّة.

الحويّك إنسانيًّا

لكن الحويّك لم يكن رجل سياسة فقط، بل راعيًا حمل هموم الناس في أصعب الظروف. ففي الحرب العالميّة الأولى، فتح الأديرة للجوعى وخفّف معاناة اللبنانيّين في زمن المجاعة.

ولعلّ أكثر ما يضفي على تطويبه بُعدًا إنسانيًّا وروحيًّا جامعًا، الأعجوبة التي ثُبّتت بشفاعته، والتي تعود إلى عام 1965، حين شُفي الضابط في الجيش اللبناني نايف أبو عاصي، وهو من طائفة الموحّدين الدروز، من مرض "انحلال الفقار الثنائي" المزمن، بعدما رأى البطريرك الحويّك في المنام واستيقظ معافى.

إلى جانب الدويهي

واليوم، يصبح الحويّك البطريرك اللبنانيّ الثاني الذي يُعلن طوباويًا بعد البطريرك إسطفان الدويهي، في رسالة روحيّة للشمال اللبناني، من إهدن إلى البترون، الذي يزفّ طوباويَّين في أقلّ من عامين. كأن أرض القديسين لا تزال تُخرج من ذاكرتها رجالا يذكّروننا بواجب الترسّخ والأمل في كل مرّة يحيط بنا اليأس.

فالدويهي، الذي رفض الحكم العثماني، وتنقّل بين وادي قنّوبين وكسروان وبشري هربًا من الاضطهاد، مصرًّا على البقاء في أرضه رغم كلّ شيء، يلتقي اليوم رمزيًّا مع الحويّك من حيث الإيمان بلبنان، مهما اشتدّت العواصف.

"الربّ جعله يعيش ويموت برضاه"

ختامًا، نفّذ البطريرك الياس الحويّك في حياته وموته كلماته التي ردّدها صلاة ومسيرة: "إلهي اجعلني أعيش وأموت برضاك".

فعاش إنسانيًا، وطنيًا وروحيًا، كرّس حياته لخدمة الإنسان ولبنان والكنيسة، ومضى بعد رحيله سائرًا نحو درب القداسة، بعدما سلك اليوم نصف الطريق بإعلانه طوباويًا، على أن تستكمل الكنيسة مسار قداسته مع تقدّم ملفّه في المراحل المقبلة.