"الدفاع الفسيفسائي".. كيف حوّل الحرس الثوري إيران إلى شبكة حرب؟

قدمت الجولة الجديدة من القصف المتبادل بين أمريكا وإيران، اختبارًا عمليًا لقدرة الحرس الثوري على مواصلة الحرب، وذلك بعد تعرض مراكز قيادته ومنظوماته العسكرية لضربات متلاحقة.

واستمرت طهران في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة على قواعد ومواقع أمريكية في المنطقة، ومنشآت في دول خليجية، رغم استهداف واشنطن لمراكز قيادة وسيطرة تابعة للحرس الثوري، ومنشآت صاروخية ودفاعات جوية ورادارات ساحلية.

وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية، خلال الحملة التي بدأت مطلع يوليو/تموز، ضرب أكثر من 80 موقعًا، بينها مراكز للقيادة والسيطرة ومنظومات دفاع جوي ومواقع صواريخ مضادة للسفن وأكثر من 60 زورقًا تابعًا للحرس الثوري قرب مضيق هرمز.

هجمات متبادلة 
وفي الجولات اللاحقة، قالت واشنطن إنها استهدفت قدرات الصواريخ والطائرات المسيّرة ومنشآت المراقبة الساحلية في بندر عباس والجزر الإيرانية المطلة على المضيق.

في المقابل، واصل الحرس الثوري شنّ هجمات بالصواريخ والمسيّرات على مواقع  في الأردن والكويت والبحرين، وأعلنت تلك الدول اعتراض عدد منها.

وقالت السلطات الكويتية إن هجومًا إيرانيًا ألحق أضرارًا بمحطة لإنتاج الكهرباء وتحلية المياه، بينما أعلنت الولايات المتحدة مقتل عسكريين أمريكيين في هجوم إيراني على قاعدة في الأردن قبل أن تستأنف ضرباتها داخل إيران.

ولا يفسر استمرار الرد الإيراني ببقاء مخزون من الصواريخ والمسيّرات وحده، بل يعيد إلى الواجهة عقيدة "الدفاع الفسيفسائي" التي فعلها الحرس الثوري بعد الضربات التي استهدفت كبار قادته، وتقوم على توزيع صلاحيات القيادة العملياتية بين تشكيلات إقليمية ومحلية، بدلًا من حصر قرار الحرب في غرفة قيادة مركزية واحدة. 

عقيدة صنعت لمواجهة "قطع الرأس"
بدأ الحرس الثوري تطوير "الدفاع الفسيفسائي" لمواجهة خصم يمتلك تفوقًا جويًا واستخباراتيًا يسمح له باغتيال القيادات وتدمير مراكز الاتصالات خلال الساعات الأولى من الحرب.

وذكرت إذاعة أوروبا الحرة أن إيران فعّلت هذه العقيدة بعد مقتل عدد كبير من قادتها، ومنحت ضباط الحرس في المحافظات ووحدات الباسيج المرافقة لهم صلاحيات أوسع للعمل أثناء الحرب.

ونقلت الإذاعة عن الباحث في الشؤون الدفاعية الإيرانية في معهد واشنطن، فرزين نديمي، قوله إن العقيدة صممت أساسًا لتمكين القيادات المحلية من الدفاع عن مناطقها عند التعرض لهجوم خارجي واسع.

ولا تلغي هذه البنية سلطة القيادة العليا أو الأهداف السياسية التي تحددها طهران، لكنها تقلل حاجة الوحدات إلى انتظار أوامر تفصيلية قبل كل تحرك، وتسمح لها بالاعتماد على تعليمات مسبقة وخطط معدة للحرب في حال تعطلت الاتصالات أو قتل القادة المسؤولين عنها.

القرار يتوزع بين المحافظات
وتقوم العقيدة على تحويل الأراضي الإيرانية إلى مجموعة مناطق دفاعية، لكل منها قيادتها ومواردها المحلية ومخازنها وخطط تحركها.

وبذلك يصبح الحرس أقرب إلى شبكة من التشكيلات المترابطة، بدلًا من هرم يمكن شله عبر استهداف رأسه.

وأوضحت مجلة "سمول وورز جورنال" المتخصصة في الدراسات العسكرية أن العقيدة تعتمد على توزيع القدرات والقيادة جغرافيًا ومؤسساتيًا، وتمنح الوحدات صلاحيات مسبقة للعمل عند فقدان الاتصال بالقيادة المركزية.

وخلص تحليل نشرته المجلة إلى أن إيران طبقت النموذج خلال حربها اللاحقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ما سمح لها بمواصلة عملياتها على جبهات متعددة رغم الخسائر الكبيرة في مستويات القيادة والسيطرة.

وتظهر الجولة الحالية إحدى نتائج هذا التنظيم؛ فالقصف الأمريكي لم يقتصر على منصة أو قاعدة منفردة، بل شمل مراكز القيادة والدفاعات الجوية والرادارات ومواقع إطلاق الصواريخ والزوارق البحرية.

ومع ذلك، استمرت الهجمات الإيرانية من مناطق مختلفة وبوسائل متعددة، من الصواريخ الباليستية إلى المسيّرات وصواريخ كروز والعمليات البحرية.

صمود عسكري أم فوضى قرار؟
تمنح اللامركزية الحرس قدرة أكبر على الاستمرار، لكنها تخلق في الوقت نفسه مشكلة جديدة تتعلق بضبط التصعيد، فحين تتوسع دائرة الضباط الذين يملكون صلاحية التحرك، قد تتباين تقديرات الوحدات لطبيعة الهدف المطلوب ومستوى الرد المناسب.

كما قد يدفع انقطاع الاتصالات أو تأخر المعلومات قائدًا محليًا إلى اتخاذ قرار يؤدي إلى قتل جنود أمريكيين أو إصابة منشأة مدنية، فترد واشنطن بضربات أوسع لم تكن القيادة الإيرانية تخطط للوصول إليها.

وحذرت إذاعة أوروبا الحرة، نقلًا عن متخصصين في الشؤون الإيرانية، من أن العقيدة ترفع قدرة النظام على تحمل خسارة كبار القادة، لكنها تزيد أيضًا احتمالات سوء التقدير والتصرف بناء على معلومات ناقصة.

وتزداد خطورة ذلك بعدما اتسعت الهجمات لتشمل قواعد ومنشآت طاقة ومياه ومواقع في دول متعددة، إذ بات قرار تكتيكي يتخذه ضابط ميداني قادرًا على فتح جولة جديدة أو توسيع الحرب إلى دولة لم تكن طرفًا مباشرًا فيها. 

الحرس يبتلع الدولة
ويرى الخبير الأمني والاستراتيجي الأردني، عمر الرداد، أن الاغتيالات والضربات الجوية لا تكفي وحدها لإسقاط النظام الإيراني، بسبب اعتماد طهران على مقاربات لا مركزية تمنحها قدرة على مواصلة الحرب رغم خسارة شخصيات قيادية. لكنه أشار إلى أن هذه الضربات تترك آثارًا عسكرية ومعنوية متراكمة داخل النظام.

واعتبر الرداد أن الضغط العسكري الأمريكي يستهدف إضعاف الحرس الثوري وتقوية التيار البراغماتي لدفع إيران نحو تسوية، غير أن استمرار المواجهة يمنح المؤسسة العسكرية مساحة أكبر داخل منظومة القرار، ويجعلها صاحبة اليد العليا على حساب الحكومة والمؤسسات المدنية.

وبذلك لا يحمي "الدفاع الفسيفسائي" إيران من ضربات قطع الرأس فقط، بل يعيد توزيع سلطة الحرب داخل البلاد، ويكرس الحرس بوصفه المؤسسة القادرة على العمل عندما تتعطل مؤسسات الدولة الأخرى.

ووفقًا لخبراء، قد ينجح هذا النموذج في إبقاء الصواريخ تنطلق رغم القصف، لكنه يضع إيران والمنطقة أمام معضلة أخطر: كلما زادت قدرة الحرس على مواصلة الحرب من دون قيادة مركزية مباشرة، تراجعت قدرة القيادة السياسية نفسها على ضبط حدود الرد وإنهاء المواجهة عندما تقرر أن كلفتها أصبحت أكبر من قدرتها على الاحتمال.