الدمار يمنع عودة النازحين .. لا ماء ولا كهرباء ولا خدمات

يكتمل مشهد عودة النازحين إلى العديد من البلدات والقرى جنوب نهر الليطاني، فيما لا تزال القرى الأخرى على مقربة من خط التماس فارغة من أهلها بنسبة تسعين في المئة.  ويُقدر عدد البلدات المدمرة والتي ترزح تحت الاحتلال المباشر، بنحو ستين بلدة وقرية في مناطق صور وبنت جبيل ومرجعيون والنبطية.

عودة غالبية النازحين إلى المنطقة، سواء من البيوت المستأجرة، أو مراكز الإيواء، والتي لا يزال عدد منها يعمل في مناطق جبل لبنان، لا يعني انتفاء حالة النزوح. فهناك آلاف العائلات، ممن دُمرت منازلها، تقطن حالياً في منازل مستأجرة داخل قراها، أو لدى أقاربها وأبنائها، وعائلات أخرى فضلت البقاء في نزوحها القسري في مناطق بيروت والجبل، كانت فقدت منازلها، أو لأسباب أخرى، تعود إلى القلق والخوف من تجدد الحرب.

بلدات بدأت تستعيد أنفاسها

تتفاوت نسبة العودة بين قرية وأخرى. فكثير من بلدات قضاء صور المحاذية للمدينة، مثل العباسية وقانا وحناويه وطيردبا والبازورية وجويا ومعروب وشحور ودير قانون النهر والبرج الشمالي وسواها، بدأت تستعيد حياتها شيئاً فشياً، حيث تم تفعيل الخدمات وافتتاح المؤسسات وتنظيف الشوارع من آثار العدوان.

على محور البلدات القريبة من حدود المناطق المحتلة، والتي كانت أكثر عرضة للتدمير، ومنها صريفا، المنصوري، زبقين، القليلة، برج قلاويه، ياطر، كفرا، صديقين، وصولاً إلى حاريص وتبنين، يتقارب فيها المشهد، لناحية حجم الدمار والعودة.

المنصوري: على خط النار

تعد بلدة المنصوري الساحلية، جنوب مدينة صور، واحدة من أكثر بلدات القطاع الغربي، غير القابلة للحياة في هذه المرحلة. فإلى جانب نسبة الدمار العالية وتضرر بساتينها وبنيتها التحتية، يشكل وجود جيش الاحتلال الإسرائيلي في " توأمها" مجدل زون، واحداً من أكبر العوامل، التي تمنع أهلها من العودة التدريجية. ولم يعد إلى البلدة، سوى حوالى سبعين عائلة، يمكنها العيش في منازلها المتضررة بكل الأحوال. أما باقي عائلات المنصوري، التي دُمرت منازلها، فتنتشر في مناطق صور والحوش، وتقصد البلدة في ساعات النهار، ثم تعود إلى نزوحها " المحلي " ليلاً. 

 

يفيد رئيس بلدية المنصوري حيدر مديحلي، الذي يواكب أعمال فتح الطرقات وتأمين ما أمكن من خدمات عامة، أن العودة إلى المنصوري اقتصرت على أقل من مئة عائلة من أصل نحو 650.

وقال مديحلي لـِ "المدن" إن الخدمات الرئيسية في البلدة، التي دُمر العدد الأكبر من منازلها، غير متوفرة، لا سيما الكهرباء، وأيضاً المياه، نتيجة تدمير خزان المياه الرئيسي.

خسارة كل رزقهم

ويلفت مديحلى إلى أن معظم الأهالي نازحون في صور وجوارها، لكن غالبيتهم يزورون البلدة نهاراً، لتفقد أطلال منازلهم وأرزاقهم. 

وأشار إلى أن التفجير الأخير الذي نفذه جيش الاحتلال في مجدل زون دفع بعائلات كثيرة لمغادرتها، لكنها ما لبثت أن عادت مع ساعات النهار الأولى.

خسر فادي خشاب منزله ومنازل أخوته، إلى جانب احتراق قسم من بستان حمضيات العائلة في المنصوري.

بعد أيام على سريان الهدنة، بدأ خشاب يتردد إلى البلدة، التي فقد فيها بيته. يتابع في ساعات النهار تنظيف وتشحيل بستانه، ومع ساعات المساء، يعود إلى محلة الحوش- صور، حيث يقيم في منزل يخص أحد عمومته. ويؤكد خشاب أن الذهاب اليومي إلى البلدة يشكل متنفساً، رغم مرارة النزوح وخسارة الأرزاق وأرواح الشهداء من أبناء البلدة.

ياطر: بلدة الشهداء

على الخط المحاذي ذاته للمناطق المحتلة، تستريح بلدة ياطر، في قضاء بنت جبيل، التي دفعت أكثر من 45 شهيداً من أبنائها. لكن من أصل ألف ومئتي عائلة، رجعت إلى ياطر، ما يقارب مئة عائلة، منازلها ما زالت للسكن بالحد الأدنى.

وفق نائب رئيس البلدية إبراهيم سويدان، فإن ياطر، الواقعة على خط النار مباشرة، وتحدها رشاف المحتلة، فإن الدمار طاول غالبية منازلها ومؤسساتها التجارية، ولم يتبق في البلدة سوى دكان صغير أعيد افتتاحه ليلبي بعض الحاجات الضرورية. وأفاد بأن بقية عائلات البلدة، ما تزال نازحة إلى القرى المحيطة وصور.

وكما الحال في ياطر، فإن معاناة النزوح واللا عودة الكاملة، تنطبق على جارتها صديقين، التي نالت قسطاً هائلاُ من الدمار والشهداء.

ويؤكد أحد أبناء هذه البلدة، محمد بلحص، الذي دمر منزله ومنازل العديد من أفراد عائلته، أنه عاد إلى البلدة ليستقر فيها نازحاً، بعدما استأجر منزلاً، بالقرب من منزله المدمر.

فرون: جارة الحجير

شكلت بلدة فرون، قضاء بنت جبيل، ويفصلها عن المناطق المحتلة، في القنطرة ودير سريان وعدشيت القصير، وادي الحجير، محور الحديث الأمني والسياسي، بعد إدراجها، في إتفاق الإطار اللبناني - الإسرائيلي، كإحدى بلدات المرحلة التجريبية. لكن المفارقة أن فرون، ليست بلدة محتلة، ولم يطأها جنود الاحتلال طيلة حرب الشهور الثلاثة.

 

أكثر من 80 بالمئة من منازل فرون مدمرة عن بكرة أبيها. فمنذ توقف الأعمال العدائية رسمياً، عاد إلى فرون، وفق ما قال رئيس بلديتها حسن بزي، نحو 70 عائلة، تمكنت من السكن في بيوتها التي احتاجت إلى تصليحات معقولة، لا سيما زجاج الأبواب والنوافذ وغيرها. لكن هذه العائلات تضطر إلى شراء المياه بواسطة الصهاريج، وقسم آخر منهم استقر في مركز إيواء.

وأضاف بزي: "عمدنا إلى افتتاح مركز إيواء داخل المدرسة الرسمية، بعد الحصول على إذن من وزارة التربية الوطنية، وهو يضم حالياً حوالي عشرين عائلة، مؤكداً أن عائلات أخرى لا تزال في أماكن نزوحها، نتيجة تدمير بيوتها.

ويلفت بزي إلى غياب البنية التحتية في البلدة، لا سيما شبكتي الكهرباء والمياه، وإلى أن مركز الإيواء يحتاج إلى ترميم وتأهيل، وخزانات مياه، وسخانات وغسالات، لكي يتمكن المقيمون فيه من تدبر أمورهم. مذكراً بأن عدد السكان يتجاوز ألفي شخص، يتوزعون على 364 عائلة.

عايش إبراهيم رمضان" (87 عاماً) كل الحروب والاعتداءات الإسرائيلية، منذ العام 1948 وحتى حرب العام 2026. علماً أن ابنه البكر حسين استشهد في منتصف الثمانينات في صفوف جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية.

ما زال رمضان وعدد من أفراد عائلته نازحين في منطقة خلدة قرب بيروت. فلا بيت في فرون يأويه. لذلك فهو مضطر للبقاء مرحلياً في نزوحه. وينتظر على أحر من الجمر العودة النهائية، بعدما تفقد منزله المدمر قبل أيام، واتكأ على عتبته.

صريفا: عودة 60 بالمئة من السكان

دمر العدوان الإسرائيلي، بواسطة الغارات الحربية، ما يزيد على 400 وحدة سكنية في بلدة صريفا. كما تضررت غالبية منازل البلدة والبنية التحتية فيها. ويؤكد رئيس البلدية د محمد نزال أن حوالي ستين بالمئة من عائلات البلدة، عادت إلى بيوتها، منذ بدء وقف إطلاق النار وحتى الآن. 

وأشار إلى أن البلدية افتتحت مركز إيواء داخل المدرسة الرسمية لعدد كبير من العائلات أيضاً، بعد تجهيزه بالمستلزمات، وهي بصدد افتتاح مركز إيواء ثان في البلدة.  

ولفت إلى أن عائلات كثيرة، ما تزال في نزوحها، سواء في مناطق النزوح البعيدة، أو في مناطق وبلدات قريبة من صريفا.

خسر علي عيد، وهو رئيس بلدية أسبق، منزله المؤلف من ثلاث طبقات، إلى جانب باب رزقه- مكتب خدمات سياحية. وعاد حالياً إلى البلدة، مع بدايات وقف إطلاق النار، متفقداً كغيره ما حل بمنزله وبلدته بشكل عام. لكن، لأنه لا يملك بديلاً عن منزله المدمر، اضطر للنزوح إلى قرية معروب المجاورة، والسكن في إحدى الشقق، حتى يبقى قريباً من البلدة، التي يزورها على الدوام، ويستريح على أطلال منزله.