الدوائر العقاريّة.. في حلقة مفرغة وانتظامها رهن التشريع

يتسبب تعقّب الفاسدين في أمانات السجل العقاري بتعطيل هذا المرفق العام، وحصراً في منطقة جبل لبنان بسبب إقفال مراكزه في الشوف، بعبدا، عاليه، المتن، كسروان وجبيل منذ 19 كانون الأول 2022 وحتى تاريخه. وتؤدي تداعيات مكافحة الفساد في «العقارية» إلى سدّ النقص الوظيفي المستجّد بـ55 موظفاً من وزارة الماليّة، وتدريبهم على إمكانيّة تسيير الدوائر العقاريّة في ظروف ماليّة أشدّ قساوة من تلك التي «شرّعت» لزملائهم الملاحقين قضائياً تحصيل مبالغ ماليّة، مقابل إسراعهم في إنجاز معاملات أصحاب المصالح من المواطنين.

بعد أن تخطى إقفال هذا المرفق العام المدة الزمنيّة «المعقولة»، تساءلت جهات رسمية معنية عبر «نداء الوطن» عن الغاية الجوهريّة من إلحاق الضرر بما يقارب 100 ألف معاملة في جبل لبنان، ووضع غالبيّة موظفي العقاريّة (مسيحيّون بأكثريتهم) في خانة الشبهات، وترهيبهم بعد الحجز على أملاكهم وحساباتهم المصرفيّة التي طالت أيضاً عائلات أمناء السجل من بينهم، والدفع إلى استبدالهم بموظفين آخرين، في أوج التحديات الماليّة التي يمرّ بها العاملون في القطاع العام، والتي بطبيعة الحال، لن تستهوي خريجي الجامعات للإنخراط بهذا القطاع. وتشدد هنا، على الفرق الجوهري بين مكافحة الفساد والإمعان في تصفية الحسابات السياسيّة «الكيديّة» عبر الأطر القضائيّة، والتي أدّت برأيها إلى إقفال وتعطيل المرفق العام.

فبعد ادعاء النيابة العامة على كافة موظفي العقارية في جبل لبنان ويقارب عددهم الـ200، بجرم «الإثراء غير المشروع، وتبييض الأموال، وتمويل الإرهاب»، سطّر القضاء المختص مذكرات توقيف وجاهيّة في حقّ بعض الموظفين الذين مثلوا أمام قاضي التحقيق، (أخلي سبيلهم بعد أشهر) وغيابيّة في حقّ المتخلفين عن الحضور، وذلك بعدما طلب القضاء من المديريّة العامة للشؤون العقارية إتخاذ الإجراءات في حق 69 موظفاً تخطّى امتناعهم المتواصل عن الحضور إلى مراكز عملهم 15 يوماً، واعتبارهم في عداد المستقيلين.

إنهاء خدمات بعض الموظفين

في سياق متصل، كان جديد مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة قبل أسابيع، التأكيد على قراره رقم 21 تاريخ 29/11/2023، المتعلق بالوضع الوظيفي لبعض الموظفين في المديرية العامة للشؤون العقارية بمندرجاته كافة، ودعوة وزارة الماليّة إلى إبلاغهم بوجوب العودة إلى العمل، على أن يعتبر الموظف مستقيلاً من الخدمة في حال تجاوز مهلة الـ15 يوماً من دون عذر مشروع إعتباراً من تاريخ تبلّغه قرار تمكينه استئناف عمله أو من تاريخ إبلاغه بوجوب وضع نفسه بتصرّف الإدارة أو من تاريخ إنقطاعه الفعلي بعد مباشرته العمل.

واعتبر بعض المعنيين أنّ قرار مجلس الوزراء يتيح لجميع الموظفين العودة إلى عملهم من تاريخ تبليغهم القرار عبر وزارة الماليّة، في حين شددت جهات متابعة في المديريّة العامة للشؤون العقاريّة، على كلمة «بعض»، مشيرة إلى أن القرار يستند إلى رأيي مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي، وبالتالي سيتم خلال أيام، إبلاغ القرار إلى الموظفين المخولين بالعودة إلى العمل، مشددة على أنّه لا يشمل الملاحقين قضائياً قبل إنهاء التعقبات بحقهم وتسوية أوضاعهم القانونية.

الرهان على الحدّ الأدنى

وإذ يؤشر هذا القرار إلى إنهاء الوضع الوظيفي لعدد كبير من الموظفين، أكدت مصادر رسمية في المديريّة العامة للشؤون العقاريّة عمل وزارة الماليّة الدؤوب لإعادة تسيير هذا المرفق العام بعيداً عن أبعاد الملاحقات القضائيّة. ولفتت إلى استئناف العمل في أمانات السجل العقاري في جبل لبنان «بشكل مغلق»، بما يمكنها من إنجاز المعاملات المكدسة من دون فتح أبوابها أمام استقبال طلبات جديدة، وذلك بعدما تمت الإستعانة بما يقارب 55 موظفاً من وزارة المالية، عُهد إلى أمناء السجل العقاري بتدريبهم على تسيير عمل هذا المرفق، تمهيداً للإعلان تباعاً وخلال الأسابيع المقبلة عن البدء في تسليم سندات الملكية والمعاملات المكدسة والإيصالات لأصحاب العلاقة الذين سددوا الرسوم المستحقة عليهم، وتالياً البدء في اصدار الإفادات العقارية. وتشدد الجهة المعنية على أنّ إعادة تسيير الدوائر العقاريّة من جديد تتم ضمن الأصول والقوانين المرعيّة الإجراء، بعيداً عن تخطي المسار القضائي. وسط الإشارة إلى أن الخطوات المتخذة لتذليل العوائق تباعاً، تساهم في تسيير عمل الدوائر العقاريّة بالحدّ الأدنى.

وراهناً، يعدّ تقديم الحدّ الأدنى من الخدمات بمثابة إنجاز لرفع الغبن الناجم عن إقفال الدوائر العقاريّة في جبل لبنان، وقد أوضحت أوساط مطلعة في «العقاريّة» أن وزير الماليّة حفظ حقّ اصحاب المصلحة الذين لم يتمكنوا من تسجيل ممتلكاتهم في الدوائر العقارية من خلال إصدار قرار باعتماد الرسوم المستحقة وفق السعر السائد لصيرفة بتاريخ توقيع العقد لدى دائرة كاتب العدل.

وإلى حين الإنتهاء من إتمام المعاملات المكدسة المتوقع أن يستغرق أشهراً قبل البدء في إستقبال المعاملات الجديدة، لفتت أوساط المديريّة العامة للشؤون العقارية إلى أنها في صدد الطلب من مجلس الخدمة المدنية إعداد مباراة لسدّ النقص في المراكز الوظيفيّة الشاغرة في الدوائر العقاريّة بعد الحصول على موافقة مجلس الوزراء، وسط حاجتها الضرورية إلى ما لا يقلّ عن 100 محرر و20 معاون أمين سجل ليتسلموا مركز أمين السجل في وقت لاحق.

وعن الضوابط الممكنة لتفادي الوقوع في أزمة تعيين المراقبين الجويين وحرّاس الأحراج الناجمة عن الخلل الطائفي في النتائج، في الدوائر العقارية، تلفت الجهات المطلعة إلى استحالة جذب خريجي الجامعات للإنخراط في وظائف الدولة قبل الحديث عن هواجس المسيحيين وسعيهم إلى البحث عن فرص عمل لهم خارج لبنان، في وقت تعدّ الإدارة بأمس الحاجة إلى استخدام كفاءات جديدة لتسيير عملها، إنطلاقاً من الواقع الذي يخوّل «بائعي الموز على الطرقات تأمين مداخيل أعلى من موظفي الإدارة الرسميّة».

 

 

هل يبصر القانون الجديد النور؟

وأمام تفاقم الخسائر المترتبة عن إقفال الدوائر العقاريّة على الخزينة والتي تتراوح ما بين ألف إلى ألفي مليار ليرة شهرياً، تشدّد أوساط المديريّة العامة للشؤون العقارية على أنّ مكافحة الفساد لا تكون من خلال إستبدال موظف بآخر ضمن السياق الوظيفي والإداري ذاته، قبل أن تلفت إلى أن الحلّ يكون عبر تغيير جوهري في عمل الإدارة، وتخويل المواطنين إجراء معاملاتهم العقاريّة من خلال دوائر كتاب العدل. الأمر المرتبط بإقرار القانون الذي سبق وأعدته مديريّة الشؤون العقارية بالتعاون مع جهات فرنسيّة وأحالته إلى رئاسة مجلس الوزراء خلال ولاية وزير الماليّة السابق غازي وزني، قبل أن يتم «تجميله» حديثاً، وتقديمه عبر إقتراح قانون إلى المجلس النيابي.

ويشكل إقراره مقدمة للإنتقال إلى المرحلة التنفيذية والتي قد تستغرق ما لا يقل عن سنتين إلى ثلاث سنوات من أجل ربط دوائر كتّاب العدل في أمانات السجل العقاري وتمكينها من إنجاز كافة الإجراءات المطلوبة من خلال مكننة عملها، وعندها وفق المعنيين، يمكن القول إنه بعد مئة عام على إنشاء السجل العقاري في لبنان (1926 – 2026)، أصبح هناك قانون جديد يماشي التطور التكنولوجي ويعتمد المكننة، وبالتالي يحدّ من التماس بين المواطنين من أصحاب المصلحة والموظفين، ويخولهم تلقي الخدمة التي تليق بهم.