المصدر: المدن
الأربعاء 9 أيلول 2026 08:37:32
في الثامن من كانون الأول 2024 جلس بشار الأسد للمرة الأخيرة على كرسي الحكم الذي ورثه عن أبيه، ثم غادر البلاد إلى موسكو بينما كانت دمشق تستيقظ على مشهد يصعب حتى اليوم استعادته من دون شيء من الذهول؛ مقرات عسكرية وأمنية ظل مجرد الاقتراب منها سبباً كافياً للخوف تُركت أبوابها مفتوحة، مكاتب خالية، أوراق متناثرة، بدلات عسكرية خلعها أصحابها على عجل، ومؤسسات بنت قوتها طوال عقود على فكرة أنها تعرف كل شيء عن السوريين، بينما لم يعرف أحد في تلك الساعات أين ذهب رجالها أنفسهم.
تسنى لي، خلال عملي الصحافي، أن أدخل وزارة الدفاع مرة، وأن أدخل الى مقر آمرية الطيران مرة أخرى، وما بقي في ذاكرتي ليس تفصيلاً عسكرياً محدداً بقدر ما هو ضخامة المكان وعدد الضباط والعناصر والممرات والأبواب المغلقة، ذلك الإحساس الذي تصنعه مؤسسة تبدو أكبر من الأفراد الموجودين فيها، مؤسسة توحي لمن يدخلها بأنها ستبقى حتى لو تغير كل شيء خارج أسوارها، ولهذا بدا المشهد بعد سقوط النظام أكثر غرابة؛ البناء نفسه موجود، لكن الرجال الذين ملأوه اختفوا كما لو أن أمراً سرياً صدر في لحظة واحدة بإخلاء البلاد.
لكنهم لم يختفوا، والسؤال الحقيقي لم يكن أين ذهبت دولة الأسد، بل أين ذهب رجالها.
الطريق إلى لبنان
منذ الأيام الأولى بعد سقوط دمشق بدأت أجزاء من الإجابة تظهر على الجانب الآخر من الحدود، فقد عبر ضباط وعسكريون وأمنيون وموظفون مرتبطون بالنظام السابق إلى لبنان، بعضهم عبر المعابر غير الشرعية وبعضهم بوثائق أو هويات مزورة، فيما بدأت أسماء ضباط تظهر تباعاً في عكار والبقاع وبيروت والضاحية الجنوبية، ونجح آخرون في الانتقال إلى دول ثالثة، بينما استقر عدد من كبار المسؤولين والضباط السابقين في روسيا.
في البداية كان من السهل تفسير الأمر بمنطق الهرب وحده؛ نظام ينهار في أيام، جيش يتفكك، ورجال يعرف بعضهم أن أسماءهم مرتبطة بملفات قتل وتعذيب واختفاء قسري، ومن الطبيعي أن يبحثوا عن أقرب طريق يخرجهم من البلاد قبل أن تبدأ الملاحقات، لكن الصورة تغيرت تدريجياً، فلم يعد الحديث يدور فقط عن ضباط يبحثون عن مكان للاختباء، وإنما عن شبكات اتصال وإيواء وتمويل وتدريب ومحاولات لإعادة تجميع أجزاء من المنظومة السابقة خارج الحدود.
لبنان كان المرشح الطبيعي لمثل هذه الحركة، ليس فقط بسبب الحدود الطويلة والطرق غير الشرعية، وإنما لأن النظام السوري أمضى عقوداً في بناء شبكات نفوذ داخله، ولأن التحالف العسكري والسياسي الطويل مع حزب الله خلق بيئات يعتقد بعض الهاربين أنها أكثر أمناً من غيرها، ولهذا تحول البقاع وعكار والضاحية الجنوبية، وفق ما كشفته التحقيقات اللاحقة، من مجرد محطات عبور إلى نقاط اتصال وإقامة وتحرك.
خيط يبدأ بعقيد
في مطلع أيلول 2026 كشفت معلومات قضائية وأمنية لبنانية عن تفكيك شبكة تضم سوريين ولبنانيين واعتقال خمسة أشخاص على الأقل، بينهم ضابط سابق برتبة عقيد في المخابرات الجوية السورية، وتركزت التحقيقات على تهريب أشخاص من سوريا إلى لبنان، وإيوائهم ثم تدريب بعضهم قبل إعادتهم إلى الداخل السوري.
لكن التحقيقات نفسها لم تحسم بعد الحجم الحقيقي للشبكة ولا الجهة التي تقف خلفها بصورة نهائية، وهو تفصيل مهم لأن المسافة كبيرة بين إثبات وجود شبكة أمنية وبين إثبات وجود مشروع مركزي واسع لإعادة بناء قوة عسكرية موالية للنظام السابق.
شاب مطلع يعيش في المنطقة تحدث إلى "المدن" عن صورة أوسع بكثير مما ظهر في ملف الموقوفين، وقال إن الخلية التي جرى ضبطها ليست، في تقديره، سوى جزء صغير من شبكة تشكلت منذ سقوط النظام، وإن ضباطاً سابقين من قطاعات مختلفة في الجيش والأجهزة الأمنية، بينهم أشخاص من القوى الجوية والمخابرات الجوية والفرقة الرابعة، يوجدون في مناطق متفرقة من لبنان، فيما يعقد بعض أصحاب الرتب العالية لقاءات دورية في أماكن معزولة ومزارع تخضع لحماية مشددة.
ويقول المصدر إنَّ "آمرية الطيران" بأكملها في لبنان وبعض العناصر تلقوا تدريبات، وإنَّ أفراداً من العراق انضموا إلى مجموعات تعمل ضمن الشبكات الجديدة، كما تحدث عن قدرة عدد من الضباط الكبار برتبة لواء على إعادة الاتصال بعناصر خدموا تحت قيادتهم سابقاً، واختصر ذلك بجملة لافتة: "في هاتف واحد يستطيع كل لواء أن يجمع مئات العناصر".
لا يمكن اعتماد هذا الرقم بوصفه إحصائية، ولا توجد حتى الآن بيانات مستقلة تسمح بتقدير الحجم الحقيقي لهذه الشبكات، لكنه يعيد طرح مسألة ربما أغفلها كثيرون عند انهيار النظام؛ الجيوش والأجهزة الأمنية قد تسقط مؤسساتها، لكنها لا تفقد في ليلة واحدة العلاقات الشخصية والولاءات والمصالح التي بنتها خلال عشرات السنين، واللواء الذي قاد آلاف الجنود يحتفظ بأسماء وهواتف وعلاقات، والعقيد يعرف ضباطه، والضابط يعرف عناصره، وجهاز المخابرات الذي بنى نفوذه على الشبكات السرية يمكن أن يفقد مقره ولا يفقد بالضرورة قدرته على التواصل.
لهذا قد يكون توصيف "فلول النظام" مضللاً أحياناً، لأنه يوحي برجال مبعثرين يختبئون فرادى، بينما ما ظهر في لبنان يقدم نموذجاً مختلفاً: مجموعات صغيرة، خطوط تهريب، بيوت للإقامة، تمويل محدود لكنه منتظم، أرقام اتصال يصعب تتبعها، سيارات للنقل، تدريبات متخصّصة ومسارات بين أكثر من منطقة.
الساحل السوري في قلب الخطر
يؤكد الشاب لـِ "المدن" أنَّ الموجودين في البقاع أكثر من نصف سكان المنطقة أساساً، والهدف إشعال الساحل السوري مع ترسانة من الأسلحة الثقيلة والمتفجرات والقناصة.
وما يعتقد أنه مجرد خلية هو جزء من تأسيس لحرب عصابات بدعم ضباط قريبين من الأسد في موسكو.
الخوف من أن يكون الساحل السوري هدفاً محتملاً لهذه الشبكات ليس مجرد سيناريو نظري، فالمنطقة شهدت في آذار 2025 واحدة من أكثر موجات العنف خطورة بعد سقوط النظام، حين شنت مجموعات موالية للأسد هجمات على قوات الأمن، ثم أعقبتها أعمال قتل واسعة بحق مدنيين علويين، لتتحول المنطقة في أيام قليلة إلى ساحة خوف وانتقام متبادل تركت جرحاً عميقاً في المجتمع المحلي.
لهذا، فإن أي محاولة جديدة لتحريك الساحل تحمل خطراً يتجاوز العملية العسكرية ذاتها، لأن المنطقة لا تحتاج إلى حرب كبيرة حتى تنفجر؛ عشرات المسلحين المدربين، عبوات ناسفة، قناصة، طائرات مسيرة، طرق تهريب وأموال محدودة قد تكون كافية لإبقاء السلطة الجديدة في حالة استنزاف دائم، وإعادة إنتاج الخوف الطائفي، وخلق شعور بأن الدولة غير قادرة على ضبط أكثر مناطق البلاد حساسية.
وقد لا يكون هدف أي شبكة من هذا النوع إعادة بشار الأسد إلى الحكم، فهذا يبدو بعيداً عن الواقع، إنما خلق حالة طويلة من عدم الاستقرار، إنهاك الأجهزة الأمنية، تنفيذ هجمات صغيرة ومتفرقة، وتحويل الساحل إلى منطقة قابلة للاشتعال كلما احتاجت القوى التي تقف خلف هذه الشبكات إلى ورقة ضغط جديدة.
الصغار يُعتقلون والكبار يختفون
في بيروت تظهر مفارقة أخرى؛ عسكريون سابقون من أصحاب الرتب الصغيرة يعيشون تحت خطر الاعتقال أو الترحيل، بعضهم يعمل سائقاً أو عاملاً أو يلتزم منزله خوفاً من الملاحقة، وقد شهد لبنان سلسلة توقيفات طالت عسكريين وأمنيين سابقين دخل بعضهم بصورة غير شرعية احدهم يقود حافلة على خط "انطلياس"، في وقت بدأ فيه القضاء اللبناني دراسة ملفات تسليم بعض المطلوبين إلى دمشق.
لكن التناقض يبقى قائماً؛ صاحب الرتبة الصغيرة أكثر سهولة في العثور عليه وأقل قدرة على الاختفاء. في سجن الأمن العام، شاب وشم صورة باسل الأسد على صدره، كان سائقا في الفرقة الرابعة ويعيش اليوم خطر الترحيل الى سوريا، فيما الخلايا الكبرى تنشط في البقاع وتؤسس لترسانة ضخمة من المقاتلين والأسلحة.
ويملك الضابط الكبير المال والعلاقات والوثائق وشبكات الحماية والقدرة على الانتقال بين الدول، وربما القدرة أيضاً على تحريك أشخاص خدموا تحت قيادته.
وهي واحدة من مفارقات انهيار الأنظمة؛ الهرم الذي كان صارماً أثناء وجود السلطة ينقلب بعد سقوطها، فيصبح الذين كانوا في قاعدته أكثر ضعفاً وظهوراً، بينما يمتلك الذين كانوا في قمته الأدوات التي تسمح لهم بالاختباء أو إعادة التموضع.
المخابرات الجوية.. الاسم الذي لا يغيب
ظهور ضابط سابق في المخابرات الجوية ضمن الشبكة اللبنانية يعيد إلى الواجهة واحداً من أكثر أجهزة النظام السابق نفوذاً، وهنا يجب التمييز بين قيادة القوى الجوية والدفاع الجوي بوصفها قيادة عسكرية لسلاح الجو، وبين إدارة المخابرات الجوية التي تحولت خلال حكم الأسد إلى جهاز أمني واسع النفوذ لا يقتصر عمله فعلياً على الطيران والمطارات.
المخابرات الجوية امتلكت فروع تحقيق وعمليات واعتقال، ، بينها منشآت في مطار المزة العسكري، كما ارتبط اسم الجهاز بملفات اختفاء قسري وتعذيب وقتل داخل السجون.
اكتسب الجهاز نفوذاً استثنائياً منذ عهد حافظ الأسد الذي جاء أصلاً من سلاح الجو، ثم اتسع دوره في عهد بشار الأسد وخصوصاً بعد عام 2011، حين أصبحت المخابرات الجوية واحدة من أهم أدوات قمع الاحتجاجات وملاحقة المعارضين.
ترأسها لسنوات طويلة اللواء محمد الخولي في عهد حافظ، ثم اللواء جميل حسن في عهد بشار، حصة الأسد فيها كانت دائما للموالين جداً من طائفته حصراً، حيث يتبعون بشكل فعلي ومباشر لإدارة المخابرات الجوية ورئيسها وفروعها. ولم يخالف بشار أباه، فسار على خطاه وزاد خلال سنوات الثورة.
ولذا، فإن خروج ضباط من هذا الجهاز إلى شبكات سرية خارج سوريا يكتسب معنىً مختلفاً؛ هؤلاء لم يعملوا في مؤسسة عسكرية تقليدية فقط، إنما في جهاز قام أساساً على العمل السري، وتقسيم المعلومات، والاتصالات غير المباشرة، واستخدام الوسطاء والمخبرين والدوائر المغلقة.
الدولة التي لم تختفِ تماماً
ربما كان الوهم الأول بعد الثامن من كانون الأول أن سقوط رأس النظام يعني سقوط كل ما بناه.
رأينا المقرات فارغة، فظننا أن أصحابها انتهوا معها، لكن الأنظمة التي تعيش أكثر من نصف قرن لا تترك خلفها أبنية فقط، بل شبكات من البشر والمال والخوف والولاء والمصالح، وبعض هذه الشبكات يستطيع أن ينتقل من الدولة إلى السر، ومن المكتب الرسمي إلى المزرعة، ومن المؤسسة العسكرية إلى هاتف محمول يحمل رقماً أجنبياً.
في مكان ما من دمشق بقي مبنى فارغاً، وفي عكار ظهر عقيد يبيع القهوة، وفي البقاع تتحدث التحقيقات عن تدريب، وفي موسكو يظهر اسم ضابط أو مسؤول سابق، وبين هذه النقاط يمتد خط لا يُرى بسهولة من الهواتف والحدود والذكريات العسكرية القديمة.
في الثامن من كانون الأول 2024 انتهى حكم بشار الأسد، أما الدولة السرية التي حكم بها، فلم يتضح بعد كم بقي منها حياً خارج جدرانها.