المصدر: النهار
الكاتب: علي حمادة
الجمعة 17 تموز 2026 07:32:43
حققت الدولة اللبنانية مدفوعة بكل من رئيسي الجمهورية جوزف عون، والحكومة نواف سلام قفزة نوعية في معادلة الإمساك بمصير البلاد عن طريق اتخاذ قرار جريء يقضي بالتفاوض المباشر مع إسرائيل من أجل تحقيق هدفين أساسيين.
الهدف الأول وقف الحرب الدائرة حالياً بين "حزب الله" وإسرائيل والعمل على تأمين انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة في أسرع وقت.
والثاني إنهاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل عبر اتفاق دائم بين البلدين بعد تسوية جميع الخلافات العالقة، وذلك بهدف تأمين عودة النازحين اللبنانيين وإطلاق ورشة إعادة الإعمار في أسرع وقت ممكن. والحقيقة أن عودة النازحين الآمنة، وإعادة الإعمار يحتاجان إلى طيّ صفحة الحرب مع إسرائيل، ومثلها صفحة الصراعات التي تورّط فيها "حزب الله" في الإقليم، والعالم بأسره.
ومن دون سلخ لبنان من حالة الحروب والنزاعات والصراعات الخارجية مع إسرائيل وجميع الدول العربية، وأوروبا والولايات المتحدة، لن يحصل استقرار، لا بل إن الأمور سوف تزداد سوءاً ولا سيما بالنسبة إلى البيئة التي يختبئ الحزب خلفها، واستطراداً ستزداد أيام لبنان اسوداداً! هذا كلام واقعي يجب أن يسمعه الحزب المذكور، والأهم منه أن تسمعه البيئة المغرر بها منذ عقود من الزمن.
بالأمس تحققت خطوات مهمة لتنفيذ الالتزامات المكرّسة في اتفاق الإطار الثلاثي بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة. فقد بدأ الجيش اللبناني بتسيير دوريات في العديد من القرى والبلدات المشمولة في المناطق التجريبية التي سينسحب منها الجيش الإسرائيلي، أو سيبتعد عن تلك التي يقف على أبوابها ويحاصرها بالنار. وثمة استعادة جثمان جندي لبناني سقط خلال حرب إسناد إيران الأخيرة. هذا يدل على أن التفاوض خير من الحرب، وخصوصاً أن حرب إيران و"حزب الله" انطلاقاً من أراضي لبنان لم تجلب سوى الموت والدمار وعودة إسرائيل إلى احتلال أراضٍ لبنانية. واليوم تحقق الرئاسة اللبنانية إنجازاً في بداية الطريق نحو استعادة لبنان من الهيمنة الإيرانية، وتبدأ عملية نقل البلاد من حالة الحروب العبثية إلى حالة من السلم الذي ينقذ لبنان من مصير دراماتيكي.
هذه التقديرات يحتاج معارضو الاتفاق الإطاري الثلاثي أن ينظروا فيها مليّاً، وخصوصاً أنه ثبت أن الشرعية اللبنانية وحدها قادرة على انتزاع لبنان من وضعه المزري وحماية مصالحه بفاعلية، من خلال العقل والبصيرة.
ومن المعلوم أن الدولة اللبنانية بسلوكها العاقل الحالي، ستكون الحامي الفعلي للبنانيين، وذلك بعكس "حزب الله" وراعيته إيران! هذه الأخيرة استغلت لبنان وحوّلته إلى منصّة لسياساتها الخارجية، ودفعت بأهله إلى التهلكة، بعدما أشبعتهم أيديولوجيا بائدة وغيبيات قروسطية.
لقد جلب كل من الحزب المذكور وإيران الموت والاحتلال الإسرائيلي، فيما بدأت الحكومة اللبنانية بتعبيد طريق عودة الأبناء إلى ديارهم، وانسحاب إسرائيل، وإعادة الإعمار. وفي النهاية ستعيد الحكومة اللبنانية إذا تمسكت بسياستها هذه بناء الأمل بالمستقبل تحت سقف القانون والدولة للجميع في لبنان.
ما تقدم ليس كلاماً عاطفياً، لا بل إنه عين العقل الذي يجب أن يسود بالنسبة إلى لبنان، وذلك بعدما دفع أثماناً باهظة تسببت بها حروب الآخرين على أرضه. أكثر من ذلك فإن الاتفاق الإطاري الثلاثي الموقع في 26 حزيران/يونيو الفائت فتح نافذة تاريخيّة أمام اللبنانيين للتخلص من عبء الصراعات في الإقليم.
في هذا الإطار نحن لا نزعم أن لبنان خرج من النفق المظلم. لا تزال أمامه طريق طويلة ومحفوفة بالأخطار، والكمائن الأمنية، والسياسية المحلية، والخارجية. فما دامت لإيران قدرة على التدخل السلبي في دول المنطقة، سيبقى الخطر كبيراً على الاستقرار اللبناني، ولا سيما أن "حزب الله" مستتبع بالكامل للسياسة الإيرانية، حتى إنه بدا أخيراً مستعجلاً إحراق لبنان بكل من فيه تلبية لتكليف أو أمر يصدر من طهران. لقد فعلها عدة مرات. وتقديرنا أنه سيفعلها مرة أخرى. فمشكلة الحزب المذكور تكمن في طبيعته، تماماً كما تكمن مشكلة النظام الإيراني في طبيعته.
بالنسبة إلى النظام الإيراني يقيننا أنه غير قابل للإصلاح والتأهيل. أما بالنسبة إلى "حزب الله" فنقول، ما لم تنتفض عليه البيئة الحاضنة فسيواصل سياسة زرع الأوهام والأساطير في عقول جمهور مغرر به، وسيتسبب استتباعاً بمزيد الآلام حوله.
إن شجاعة الرئيسين جوزف عون ونواف سلام ومعهما الأكثرية الحكومية، تحتاج إلى تشجيع دول الإقليم العربية وغير العربية فضلاً عن المجتمع الدولي وفي مقدمه الولايات المتحدة وأوروبا. إنها لفرصة تاريخيّة نادرة تلوح أمام لبنان.