المصدر: الديار
الجمعة 10 تموز 2026 07:54:30
يعيد الذكاء الاصطناعي رسم خريطة سوق العمل بوتيرة غير مسبوقة، مع تزايد التحذيرات من تعرض مئات الملايين من الوظائف للأتمتة، وتحوّل جذري يطال عشرات المهن خلال السنوات المقبلة.
وبينما تتراجع قيمة المهام الروتينية، تتجه المنافسة نحو المهارات التي تقوم على الإبداع والخبرة والحكم البشري، ما يفرض واقعا جديدا يتجاوز الاعتماد على الشهادات الجامعية وحدها.
وتأسيسا على ما تقدم، توضح الدكتورة الجامعية وخبيرة التوجيه المهني في لبنان جنيفر الخوري أبو جودة لـ"الديار" أن "الذكاء الاصطناعي لن يلغي الوظائف بل سيدعمها"، مشيرة إلى أن "النقاش اليوم لم يعد منصبا على تأثيره في سوق العمل، بل على مدى استعداد الطلاب لهذا التحول. وبالتالي لم يعد السؤال: "أي اختصاص سيلغيه الذكاء الاصطناعي؟ وإنما أي اختصاص سيصبح أقوى بوجود الذكاء الاصطناعي"؟
وتكشف "ان الانظمة الرقمية ليست موضة عابرة ، ولا ظاهرة حديثة مرتبطة بالتطبيقات الحالية، بل تمتلك جذورا أكاديمية وتقنية قديمة، ويُعدّ التعلّم الآلي (Machine Learning) أحد أبرز فروعها الأساسية. وفي هذا السياق نجد ان سوق العمل يتجه نحو الاختصاصات، التي تجمع بين التكنولوجيا والتحليل والمهارات الإنسانية، فيما ستتراجع قيمة الاختصاصات والوظائف، التي تبقى محصورة في المهام المتكررة والروتينية. هذا لا يعود الى الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل بسبب عدم تطوير أصحابها لكفاءاتهم والخروج من إطار التقليد".
مقاييس رسم المسار المهني
وتؤكد أن "اختيار التخصص يجب أن يُبنى على شغف الطالب بالمهنة، من خلال التعرف عليها بشكل أعمق وعن قرب، عبر التوجيه الصحيح. فالشخص الذي يختار اختصاصه عن قناعة، انطلاقا من ميوله وانجذابه، يكون أكثر قدرة على التطور والإبداع، وتجاوز التحديات في مجاله. وتبقى المهن التي تعتمد على الحكم السياقي والفهم الإنساني واتخاذ القرارات المعقدة والمسؤولية المباشرة، بعيدة عن الاستبدال الكامل بالذكاء الاصطناعي، ما يجعل التخصصات الإنسانية، كالتعليم وعلم النفس والموارد البشرية والإرشاد والقانون والأخلاقيات، أكثر قوة عند تكاملها مع التكنولوجيا".
وتشير الى أن "القاعدة الأهم للطالب اليوم هي عدم انتقاء اختصاص منفرد، بل بناء تركيبة متكاملة تجمع بين اختصاص أساسي، ومهارة رقمية، وتمكين القدرة الإنسانية. على سبيل المثال يحتاج طالب إدارة الأعمال إلى تحليل البيانات والجيل الجديد من القدرات الحسابية المتطورة، وطالب القانون إلى فهم الخصوصية الرقمية وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وطالب الطب أو البيولوجيا إلى الإلمام بالمعلوماتية الحيوية (Bioinformatics)، فيما يتطلب امتلاك طالب التصميم إلى فهم تجربة المستخدم (UX/UI) وأدوات الذكاء الاصطناعي، وطالب الهندسة إلى اكتساب مهارات في الروبوتات والبرمجة والأنظمة الذكية".
لا نهاية لدور الإنسان
بل بداية مرحلة مختلفة
وتختم أبو جودة بالتشديد على ان "الذكاء الاصطناعي لن يلغي الإنسان، لكنه سيعيد تعريف دوره في سوق العمل. فالطالب الأقوى لن يكون من يبتعد عن التكنولوجيا، بل من يفهمها ويستخدمها وينتقدها، ويضيف إليها البعد الإنساني. كذلك لا يُختزل المستقبل باختصاص واحد، وانما بمن يمتلك القدرة على الجمع بين المعرفة والتكنولوجيا والتفكير التحليلي والتواصل والتعلّم المستمر".
في جميع الأحوال، بين مخاوف الإقصاء وفرص التحول، يفرض الذكاء الاصطناعي واقعا جديدا على سوق الاختصاصات، حيث لم تعد القيمة في الشهادة وحدها، بل في قدرة الإنسان على تطوير قدراته وموقعه داخل هذا التغيير.