الستاتيكو جنوباً الأكثر إثارة للقلق على الدولة


ما لم تنجح الولايات المتحدة في فرض شروطها على إيران قريبا بالضغوط التي تمارسها عليها، فإن ثمة خشية كبيرة لدى مراقبين ديبلوماسيين أن يصبح الواقع الجديد في الجنوب اللبناني، بل في لبنان ككل، أسير الستاتيكو القائم راهنا، ولوقت طويل، وهناك اقتناعات داخلية كثيرة بدأت تتبلور على هذا المسار نتيجة اعتبارات متعددة.

يتفق هؤلاء على عدم نجاح إيران في إقفال مضيق هرمز والتحكم فيه، ليس في ضوء المعلومات أو المعطيات المتناقضة التي تتبادلها مع الولايات المتحدة، بل على خلفية الأمر الواقع، لكون الاقتصاد العالمي ودول العالم لم تصرخ أو تتوسل إيران لفتح المضيق. ويعود ذلك وفق خبراء دوليين إلى واقع أن الاقتصاد العالمي تأقلم مع الحروب، بدءا من الحرب بين أوكرانيا وروسيا التي تعايش معها هذا الاقتصاد، بحيث جعلت تأثير أزمة هرمز على المستوى الاقتصادي محدودا زمنيا على الاقتصاد العالمي. وهذا لا ينفي أنه كانت له تأثيرات على المنطقة، ولكن تأثيره بقي محدودا حتى الآن، فيما أنشئت أدوات للتكيف مع الأزمة بفاعلية أقل ولكن بقدرة على الصمود أو حتى على العمل الطبيعي.

يقول هؤلاء إن مستوى النمو في غالبية الدول لم يتأثر كثيرا، وكذلك مستوى التضخم، فيما الحركة التجارية باتت مزعجة أكثر، لكنها غير معطلة، ولا تزال مؤمنة، والروايات عن مرور السفن صحيحة من دون قدرة إيران على وقفها. يضاف إلى ذلك تسجيل تطورات اقتصادية عالمية كانت كفيلة بتعويض الأزمة التي تثيرها إيران حول هرمز. وتاليا، فهي لم تستطع أن تعطل العالم وحركته الاقتصادية وفق ما رغبت في الضغط على الولايات المتحدة على نحو مباشر وغير مباشر، عبر استهداف دول المنطقة.

واللافت أن ذلك حصل من دون تحالف دولي، لكونه يفترض أن يكون هناك رأس ومنظومة معينة لإقامة حركة ضاغطة، والولايات المتحدة لم تلجأ إلى الأمم المتحدة ولا إلى حلف الناتو ولا أيّ تحالف آخر، على عكس حرب الخليج الأولى مثلا وحرب العراق أو حتى مطلع الحرب في أوكرانيا حين كان الناتو موجودا. والدول التي طلب منها الرئيس الأميركي التدخل مع الولايات المتحدة قبل أشهر للضغط من أجل فتح هرمز، كانت تريد المشاركة في القرار، وهذا ما لم يكن الرئيس الأميركي مستعدا ليضمنه لها.

واقع الحال هذا لا ينفي أن أكثر الدول تضررا والتي تدفع الكلفة الأكبر هي دول الخليج العربي، أي تلك الجارة لإيران، فيما توجه هذه ضرباتها ضد جيرانها، في ظل عجزها عن استهداف الولايات المتحدة أو حتى إسرائيل التي قتلت مرشدها وقيادييها، وهو ما أثار الأسئلة عن الأعداء الحقيقيين لإيران التي عملت، وإن تحت ستار الضغط عبر استهداف الدول الخليجية للضغط على الولايات المتحدة، وقد تكون ساهمت في انكشاف المظلة الحمائية الواهية، ولكن أيضا أظهرت قدرتها كدولة معتدية، على تعطيل اقتصاد دول الجوار المباشر، فيما هي تدعو إلى الوحدة الإسلامية. كل هذا يفضي إلى معادلة صعبة ومعقدة في المنطقة، تجعل إيران تستقوي على هذه الدول، ليس عبر ما تسببه لها بل عبر التحدي الذي تقوده ضدها أيضا في كل من العراق ولبنان واليمن.

ما يعلنه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي يزايد على خصمه الانتخابي بالقول إنه سينسحب من غزة ولبنان وسوريا في حال فوزه، يرمي إلى رسم السقف الذي تقول إسرائيل إنها لن تتخلى عنه، وهو بقاؤها في المناطق التي تحتلها جنوب لبنان، وهذا أمر تساهم توقعات كثيرة في حصوله على ضوء الانتخابات الإسرائيلية التي تراعي فيها الولايات المتحدة إسرائيل ولا تضغط عليها للانسحاب من لبنان، في الوقت الذي بات كثر يستبعدون حصول أي تغيير في المناطق التجريبية قبل الانتخابات الإسرائيلية، بل حتى قبل تأليف حكومة جديدة. وليس أفضل من هذا الوضع بالنسبة إلى "حزب الله" وإيران للتمسك ببقاء سلاح الحزب وعدم التعاون قيد أنملة مع الدولة اللبنانية في حصر السلاح.

فاستمرار الاحتلال يعني بقاء سلاح الحزب وخسارة الدولة اللبنانية قدرتها على بسط سيادتها. وعلى رغم الجهود الذي يبذلها رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، فإن انعقاد جولة ثامنة من المفاوضات الثنائية مع إسرائيل برعاية أميركية من دون نتائج حاسمة وظاهرة، يشكل تحديا كبيرا، وعدم انعقادها في المدى القريب أمر لا يخلو من التداعيات السلبية، ويفسر جنوح بعض من دعم المفاوضات في مرحلة ما إلى عدم تظهير الدعم على نحو كاف، رغم الحاجة الماسة للرئاسة الأولى إلى ذلك.