المصدر: Kataeb.org
الكاتب: سيدة نعمة
الثلاثاء 3 شباط 2026 07:49:21
مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية (إذا حصلت)، يعود سؤال المشاركة السياسية إلى الواجهة، لكن هذه المرّة من بوابة جيل الشباب، الأكثر تضررًا في لبنان. جيلٌ نشأ على وقع الأزمات المتلاحقة، وبين صندوق الاقتراع وخيارات الانسحاب أو التمرّد على الأطر التقليدية، يقف الشباب اللبناني اليوم أمام نارين: السياسة "أداة التغيير"، والسياسة "العبء الإضافي".
الأرقام المتداولة لا تساعد على رسم صورة دقيقة، ففي مقابلة سابقة، أشار الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين إلى أن معضلة أساسية تعيق أي قراءة علمية للمشهد الانتخابي الشبابي، مؤكدًا أنه "لا يمكن تحديد نسبة مشاركة الشباب في الانتخابات، في ظل واقع ديموغرافي متحرّك". ولفت إلى أن "أكثر من 75 % من الشباب اللبنانيين هاجروا منذ العام 2012"، ما يجعل التوقع الانتخابي عملية شبه مستحيلة، ويطرح علامات استفهام كبرى حول حجم الكتلة الشبابية المقيمة، ودورها الفعلي في أي استحقاق مقبل.
في هذا السياق، لا يبدو عزوف الشباب عن السياسة مجرّد حالة لامبالاة، بل نتيجة مسار طويل من الخيبات. فبعد ثورة 17 تشرين، التي شكّلت ذروة التعبير السياسي خارج القوالب الحزبية، تراجع الزخم الشعبي، وتفكّك الكثير من المبادرات، فيما اختار قسم كبير من الشباب الانكفاء أو الهجرة. غير أن هذا التراجع لا يعني بالضرورة قطيعة نهائية مع الشأن العام، بل قد يعكس إعادة تموضع هادئة، تبحث عن أشكال جديدة للمشاركة، أقل صخبًا وأكثر حذرًا، في بلد لم يعد يمنح الثقة بسهولة.
من هنا، نحاول في هذا الملف مقاربة علاقة الجيل الشاب بالسياسة، لا من زاوية الأرقام وحدها، بل من خلال فهم التحوّلات العميقة في وعيه السياسي، وخياراته، ومخاوفه، في ظل استحقاق انتخابي يلوح في الأفق.
الشباب رهائن المنظومة أم قوة مواجهة؟
في هذا الشأن يشير الصحافي طوني بولس إلى أن ابتعاد الشباب اللبناني عن السياسة ليس حالة لامبالاة أو خيارًا حياديًا، بل نتيجة طبيعية لمسار تدميري طويل قادته الطبقة السياسية منذ "اتفاق الطائف" وحتى اليوم. هذه المنظومة، بحسب بولس، هي نفسها التي أدخلت البلاد في الحروب، وأدارت السلم بعقلية الميليشيات، ونهبت الدولة ودمّرت الاقتصاد، لتقف مذهولة أمام انهيار صنعته بيديها، فيما دفع هذا الواقع أجيالًا كاملة من الشباب إلى الهجرة القسرية بحثًا عن كرامة وفرص عمل.
ويضيف بولس أن مسؤولية التغيير لا تقع على الطبقة السياسية وحدها، بل أيضًا على خيارات الناخبين، لا سيما الشباب منهم، داعيًا إياهم إلى كسر النمط الانتخابي التقليدي الذي يقوم على انتخاب وجوه تتكرر في المآسي والأعياد، توزع التعازي والتهاني، ثم تختفي عن هموم الناس الحقيقية حتى الدورة الانتخابية التالية.
الانتخابات وسيلة للتغيير
من جهة أخرى تؤكّد الصحافية تالين نهرا، "نجد غالبًا الوجوه نفسها أو بدائل تنبثق من نفس الرحم السياسي، الانتخابات يجب أن تُقام وأن يشارك الجميع فيها. فهي الوسيلة الأساسية للشعب للتعبير عن إرادته وإحداث أي تغيير ممكن. صحيح أن التغيير ربما لا يحدث من الدورة الأولى، لكن مع كل دورة انتخابية، صوتًا بعد صوت، يبدأ التغيير بالترسخ تدريجيًا".
وتتابع: "أنا شخصيًا سأشارك هي أول مرة أقترع فيها بشكل رسمي، كل صوت يضاف إلى الآخر، وكل مشاركة تساهم في كسر دائرة الإحباط والتراخي. لا يمكن لأحد أن يقول: "فقدت ثقتي" أو "أنا لم يعد لديّ أمل"، لأن الانسحاب يعني الاستسلام للمنظومة".
وجهة نظر الطلاب
في المقابل تقول طالبة إعلام في أحد فروع الجامعات اللبنانية، سينتيا: "الامتناع عن الاقتراع قد يكون موقفًا احتجاجيًا مفهومًا، لكنه عمليًا يعزز واقع المنظومة المغلقة بدل كسره، فيما تظل الانتخابات مساحة نادرة للمحاسبة والمراقبة، حتى لو لم تكن وحدها كافية لإحداث التغيير المنشود".
وتضيف: "ما نشهده اليوم في المجلس النيابي يدل على أن هناك فئة تحاول إحداث فرق وتحسين الأوضاع بما يتوافق مع حقوق المواطن، من واجبنا كمواطنين أن نمارس هذا الحق بوعي، وأن ننتخب الأشخاص الذين نرى فيهم القدرة على الإسهام الفعلي في تحسين الأداء العام وحماية حقوقنا".
الواقع الإحصائي
في لبنان، يصل عدد الناخبين المسجّلين حاليًا إلى نحو 4,093,663 شخصًا (51 % إناث، 49 % ذكور)، وهو الرقم الرسمي القائم على سجلات المديرية العامة للأحوال الشخصية في وزارة الداخلية والبلديات حتى نهاية آذار 2025، بزيادة سنوية مقارنة بعام 2024.
ورغم هذه الأعداد الإجمالية، يصعب تحديد نسبة الشباب منهم بدقة، لا سيما في ظل الهجرة الكبيرة التي شهدها لبنان خلال السنوات الماضية. في مقابلات وتحليلات سابقة، أشار باحثون مثل محمد شمس الدين إلى أن أكثر من 75 % من الشباب اللبنانيين هاجروا منذ عام 2012، ما يجعل من قراءة أعداد الشباب المقيمين القادرين على الاقتراع تحديًا كبيرًا، بل شبه مستحيل في الأرقام الرسمية المتوفرة.
في انتخابات سابقة (عام 2018)، شارك أكثر من 654,950 ناخبًا شابًا لأول مرة في الاقتراع، إلا أن هذه الإحصاءات لا تغطي الوضع الحالي خصوصًا بعد التأجيل الطويل بين الدورات الانتخابية وتوسع الهجرة.
من جهة أخرى، تظهر مؤشرات تسجيل الناخبين اللبنانيين المقيمين في الخارج انخفاضًا حادًا مقارنة بالدورات السابقة، مع تسجيل عشرات الآلاف فقط في العام 2025 حتى منتصف تشرين الثاني، في مقابل أعداد أكبر سُجّلت في انتخابات 2022، ما يعكس تراجع الانخراط الانتخابي حتى لدى المغتربين.
كل هذه المؤشرات تجسد واقعًا مركبًا: في حين أن قاعدة الناخبين الإجمالية كبيرة نسبيًا، فإن الناخبين الشباب الحقيقيين المقيمين والقادرين على المشاركة يمثلون جزءًا أقل مما يُظهِر العدد الكلّي، وذلك بفعل الهجرة، والتحوّل الديموغرافي، وقلة توفر إحصاءات مفصّلة.
وفي ظل هذه الأرقام المتحركة، يبرز التحدي الأكبر أمام أي انتخابات مقبلة في لبنان: هل يستطيع الجيل الشاب، بصوته المتبقي داخل الوطن أو عبر الانتخاب من الخارج، أن يشكّل عامل تغيير حقيقي؟ الأرقام تشير إلى أن قاعدة المشاركة تتقلّص بالفعل بفعل عوامل خارجة عن إرادة الشباب، لكن هذا لا يلغي أهمية حضورهم في العملية السياسية. فحتى لو لم تتحقق طفرة انتخابية في دورة واحدة، فإن الصوت الشبابي يبقى مؤشرًا حيويًا إلى صحّة الديمقراطية وقدرتها على احتضان طموحات الأجيال الجديدة في بلد يعيد تشكيل مستقبله ببطء.