الشرع يفضل دخول لبنان مع قوة عربية.. ويسعى لحوار مع حزب الله

يبدو أن الملف اللبناني بدأ يعود إلى واجهة الحسابات السورية، لكن هذه المرة ضمن مقاربة مختلفة عن العقود السابقة. فبدل الحديث عن حضور سوري منفرد داخل لبنان، يجري تداول تصور يقوم على وجود قوة متعددة الجنسيات، تكون الدول العربية جزءاً أساسياً منها، بما يمنح أي ترتيبات أمنية مقبلة غطاءً إقليمياً أوسع.

وبحسب مصدر خاص لـ"المدن"، فإن الرئيس السوري أحمد الشرع لا يريد دخول قوات سورية إلى لبنان بشكل منفرد، ويرى أن أي وجود عسكري أو أمني يجب أن يأتي ضمن إطار عربي متعدد، لتجنب إعادة إنتاج صورة التدخل السوري المباشر الذي طبع العلاقة بين البلدين لعقود طويلة.

ويقول المصدر إن الشرع يعتبر أن المرحلة الحالية تحتاج إلى صيغة جديدة للعلاقة مع لبنان، تقوم على التعاون بين دولتين، وليس على نفوذ طرف على آخر، خصوصاً أن أي خطوة سورية داخل لبنان ستكون تحت مراقبة إقليمية ودولية كبيرة.

وفي موازاة ذلك، يشير المصدر إلى أن الشرع يعمل على فتح قناة تفاوض مع "حزب الله" بهدف الوصول إلى تسوية حول ملف السلاح، تقوم على انتقال الحزب من قوة عسكرية مستقلة إلى جزء من المؤسسة العسكرية اللبنانية، عبر تسليم السلاح ودمج العناصر ضمن الجيش اللبناني.

 

ملف السلاح... العقدة الأصعب

يبقى سلاح "حزب الله" الملف الأكثر تعقيداً في أي محاولة لإعادة ترتيب الوضع اللبناني. فمنذ تأسيسه، ارتبط الحزب بفكرة المقاومة ضد إسرائيل، وبنى على مدى سنوات طويلة منظومة عسكرية وأمنية واسعة، جعلته قوة تتجاوز الدور الحزبي التقليدي.

في المقابل، ترى قوى لبنانية عديدة أن وجود سلاح خارج إطار الدولة يمنع قيام دولة كاملة السيادة، ويجعل القرار الأمني والعسكري موزعاً بين مؤسسات رسمية وقوى أخرى.

ولهذا فإن أي تسوية حول السلاح لن تكون مجرد قرار سياسي، بل عملية طويلة تحتاج إلى ضمانات داخلية وإقليمية، تتعلق بمستقبل الحزب، ودور عناصره، وموقعه داخل النظام اللبناني.

ووفق المعلومات المتداولة، فإن مقاربة الشرع تقوم على تجنب الصدام مع الحزب، ومحاولة الوصول إلى تفاهم تدريجي، بحيث يكون الجيش اللبناني الجهة الوحيدة التي تمتلك القرار العسكري.

 

لماذا قوة عربية متعددة؟

الحديث عن قوة عربية متعددة الجنسيات يحمل رسالة سياسية واضحة. فوجود طرف سوري منفرد في لبنان قد يعيد إلى الأذهان مرحلة الوجود السوري السابق، وهو أمر قد يواجه رفضاً من أطراف لبنانية ودولية.

أما وجود قوة تضم دولاً عربية، فقد يكون محاولة لتقديم صيغة أكثر قبولاً، تقوم على تقاسم المسؤولية بدل تحميل دمشق وحدها مهمة إدارة الملف الأمني اللبناني.

لكن هذه الفكرة تصطدم بأسئلة كثيرة: من هي الدول التي ستشارك؟ وما طبيعة مهام هذه القوة؟ وهل ستكون مهمتها أمنية فقط أم ستتداخل مع العملية السياسية؟ هذه الأسئلة ستحدد مدى قابلية الفكرة للتحول من طرح سياسي إلى واقع على الأرض.

 

دمشق تبحث عن موقع جديد

لا يمكن فصل التحرك السوري تجاه لبنان عن رغبة دمشق في إعادة بناء دورها الإقليمي بعد سنوات من العزلة والصراع.

فلبنان بالنسبة لسوريا ليس مجرد ملف خارجي، بل يرتبط بالأمن والاقتصاد والحدود والتاريخ المشترك. وأي استقرار في لبنان ينعكس مباشرة على سوريا، كما أن أي اضطراب لبناني قد يترك تداعيات على الداخل السوري.

لكن الفرق الأساسي في المرحلة الحالية هو أن دمشق تحاول تقديم نفسها بطريقة مختلفة، تقوم على العلاقات الرسمية والتفاهمات، بدل الدور الأمني المباشر الذي ارتبط بالماضي.

ومن هنا، فإن نجاح أي مبادرة سورية في لبنان سيكون مرتبطاً بقدرة الشرع على إقناع الأطراف اللبنانية بأن الدور السوري الجديد لا يهدف إلى استعادة نفوذ قديم، بل إلى المشاركة في ترتيب إقليمي جديد.

 

إيران وإسرائيل خارج الطاولة

رغم أن النقاش يدور بين دمشق وبيروت، فإن ملف "حزب الله" لا يمكن التعامل معه بعيداً عن الصراع الإقليمي. فالحزب يرتبط بعلاقة وثيقة مع إيران، وأي تغيير في وضعه العسكري سيؤثر على طبيعة النفوذ الإيراني في لبنان والمنطقة.

في المقابل، تراقب إسرائيل أي ترتيبات تتعلق بسلاح الحزب، باعتباره أحد الملفات الأمنية الأساسية بالنسبة لها. ذلك فإن أي اتفاق نهائي لن يكون نتاج تفاهم لبناني داخلي فقط، بل سيحتاج إلى توافقات أوسع تتعلق بمصالح القوى الإقليمية والدولية.

 

اختبار سياسي للشرع

يمثل الملف اللبناني اختباراً مهماً للرئيس السوري أحمد الشرع، ليس فقط على مستوى العلاقة مع لبنان، بل على مستوى قدرة دمشق الجديدة على لعب أدوار إقليمية مختلفة. فإذا نجحت في دفع الأطراف نحو تسوية حول السلاح، فقد تكون أمام تحول كبير في موقعها الإقليمي. أما إذا اصطدمت بالمواقف المتشددة أو الحسابات الخارجية، فقد يبقى الملف اللبناني ضمن دائرة الجمود.

حتى الآن، تبقى المعلومات المتداولة في إطار التسريبات والقراءات السياسية، لكن الواضح أن لبنان سيكون أحد الملفات التي ستكشف طبيعة الدور السوري في المرحلة المقبلة: هل سيكون دور الوسيط وصاحب المبادرات، أم أن تعقيدات المنطقة ستعيد إنتاج الصراعات القديمة بأشكال جديدة؟