الشرق الأوسط تفادى الحريق الكبير... لماذا تراجع ترامب عن شنّ الحرب الجديدة؟

عزا الرئيس الأميركي دونالد ترامب إرجاء توجيه ضربات جديدة إلى إيران إلى طلبات من طهران ودول المنطقة، وإلى ما وُصف بتبلور "ملامح اتفاق" تقبل بموجبه إيران فتح مضيق هرمز فوراً ومن دون أي قيود، علاوة على استعدادها لإبرام اتفاق نووي أيضاً في وقت سريع.

التهديد والعودة إلى الديبلوماسية
 هل ثمة فعلاً فرصة أخيرة للديبلوماسية قبل الحريق الكبير، أم أن ترامب تعمّد التهويل بضربات هي الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، على ما جاء على لسانه، من أجل حمل إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات، أم أنه كان يعتزم فعلاً استئناف الحرب على نطاق واسع بمشاركة إسرائيل أيضاً؟

ليست المرة الأولى التي يرفع فيها ترامب سقف التهديدات إلى هذا المستوى، ثم يتراجع في اللحظة الأخيرة. غير أن الوقت الذي يضيق أمامه كان يدفعه إلى عمل ما، في الحرب أو في السياسة، لإيجاد مخرج من الحرب قبل الانتخابات النصفية إذا أمكن. ولذلك قال إن الضربات الأميركية الجديدة كان الهدف منها إرغام إيران على الاستسلام. وتولت وسائل إعلام أميركية رسم سيناريوات لما سيحصل، من بينها توجيه "ضربات أميركية - إسرائيلية مشتركة لمنشآت الطاقة الإيرانية، ربما خلال عطلة نهاية الأسبوع، وقد تستهدف مصافي النفط ومحطات توليد الكهرباء".

ومع ذروة التهديدات، أورد موقع "أكسيوس" الإخباري الأميركي أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان حضّ ترامب، خلال اتصال هاتفي، على "خفض التصعيد والإحجام عن شن الضربات".

وقبل أن يتراجع ترامب عن الحملة الجوية التي كان مزمعاً أن يشرع بها، أطلقت إيران سلسلة من التحذيرات على لسان ديبلوماسييها وقادتها العسكريين، هددوا فيها بتدمير البنى التحتية في دول الجوار وإسرائيل. واتصل وزير الخارجية عباس عراقجي بوزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان وبريطانيا والهند. وحذرت وكالة "نور نيوز" الناطقة باسم مجلس الأمن القومي الإيراني من أن "كل شيء سيحترق حتى يتحول إلى رماد".

وعلاوة على ذلك، كانت إيران تعتزم إشراك أذرعها في المنطقة في الرد على الجولة الجديدة من الهجمات الأميركية، بهدف رفع كلفة الحرب على ترامب.

اتساع ساحات المواجهة وكلفة الحرب

جدير بالذكر هنا أن إيران وسّعت في الأسابيع الأخيرة من ساحة المواجهة، مع هجمات الحوثيين على ناقلات نفط سعودية والإعلان عن فرض حصار على موانئ المملكة في البحر الأحمر، بينما استهدفت مسيّرة منصة عائمة للغاز المسال تملكها الولايات المتحدة في ميناء دمياط المصري قرب قناة السويس. وهذا ما حمل أسعار النفط على معاودة الارتفاع إلى ما فوق 90 دولاراً.

الانقسام العسكري الأميركي

وعدا المحاذير الاقتصادية، لا يمكن فصل قرار ترامب بالتراجع عن توجيه ضربات جديدة إلى إيران عن التسريبات التي سرت حيال وجود تباين في الآراء داخل القيادة العسكرية الأميركية، بين رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال دان كين الذي حذر من نفاد مخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الجيش الأميركي، وقائد القيادة المركزية الأدميرال براد كوبر الذي يرى أن حملة قصف أميركية جديدة لمدة أسبوعين كفيلة بالحد من قدرة إيران على الإطلاقات الصاروخية، بما يجعل المخزون من الصواريخ الاعتراضية الأميركية كافياً. ويؤيد كوبر الذهاب إلى مستويات أعلى من التصعيد، بما فيها إمكان القيام بتدخلات برية للضغط أكثر على إيران.

لكن التحفظ على الخيار العسكري جاء في الأيام الأخيرة من قائد القوات الأميركية في أوروبا الجنرال أليكسيس غرينكيفيتش الذي بعث برسالة سرية إلى البنتاغون تسنى لصحيفة "واشنطن بوست" الاطلاع عليها. وجاء فيها أن أميركا لا تملك قوات بحرية كافية للمضي في حماية إسرائيل من الصواريخ الباليستية التي يمكن أن تتعرض لها في حرب محتملة. وتؤدي قيادة القوات الأميركية في أوروبا دوراً أساسياً في تنسيق العمليات العسكرية في المتوسط. وكانت المدمرات الأميركية، منذ سنوات، جزءاً من الدفاعات الإسرائيلية.

ومع عدم وجود دلائل فعلية إلى تقدم في الاتصالات السياسية، تبقى سمة الحرب في شهرها السادس تتأرجح بين جولات من التصعيد، تليها فترة هدوء هش، من دون أن يلوح في الأفق مخرج مناسب يحفظ ماء الوجه، سواء لترامب أو لإيران.