الشهيد فؤاد حداد "أبو الحن" الصحافي المنسي أيضًا من شهداء الصحافة

في 6 أيار ذكرى شهداء الصحافة لا أحد يتذكر "أبو الحن" الصحافي الكتائبي الذي خُطف وقُتل وكاد خطفه يعيد اشعال نار الثورة في البلد

من هو فؤاد حداد هذا الصحافي الشهيد الذي لا يتذكره أحد؟

كان من أهم الصحافيين وله مقال رئيسي يومي  في جريدة العمل الكتائبية، بتوقيع أبو الحن

 عُرِف عنه انتقاداته اللاذعة الممزوجة بسخرية محبوبة، ولم يوفر فيها أحداً حتى الرئيس المصري جمال عبد الناصر معبود الجماهير العربية، الذي كان مادة دسمة لانتقاداته.

كان جميع قراء العمل ينتظرون صباح كل يوم زاوية أبو الحن لقراءتها، ويبقى ما ورد فيها مادة للنقاش طوال النهار حتى صدور التعليق التالي.

صباح 19 أيلول 1958 وكانت الثورة توقفت وانتخب اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية، وعاد الناس الى أعمالهم، وفيما فؤاد حداد متوجهاً الى مكتبه في مبنى الأونيسكو الواقع في الشطر الغربي للعاصمة حيث كانت السيطرة خلال الثورة للثوار. أوقفه مسلحون مجهولون واقتادوه الى مكان مجهول وضاعت أخباره.

يقول الأستاذ جوزف أبو خليل: أحدث اختطاف "أبو الحن" حالة حزن ووجوم في أوساط حزب الكتائب اللبنانية ومناصريه والمناطق المسيحية، فكان لا بدّ من الدعوة إلى الاضراب ولو ليومٍ واحد، وكان مضى يومان على اختفائه دون معرفة أي خبر عنه، فكان التجاوب شاملاً وتواصل الاضراب في صورة تلقائية يوماً ثانياً.

وفيما البلاد تترقب بحذر ما تخبئه الأيام القادمة، خاصة وأن قضية "أبو الحن" ما زال يلفها الغموض، والبلاد شبه مشلولة، أقسم الرئيس فؤاد شهاب قبل ظهر 23 أيلول 1958 اليمين الدستورية، وتسلم السلطة من الرئيس كميل شمعون، الذي غادر قصر القنطاري عند آخر ساعة من ولايته: فلا استقالة، ولا اقالة، ولا تقصير ولاية: ذلك كان الردّ الطبيعي يومها على تحدي المعارضين الثائرين عندما رفضوا حلاً للأزمة لا يقوم إلا على تغيير الحكم برمته بتغيير يتم على الفور، أي بانقلاب.

فور تسلم الرئيس المنتخب سلطاته الدستورية، أعلنت جبهة الاتحاد الوطني المعارضة ترشيح الزعيم الطرابلسي رشيد كرامي وهو أحد قادة الثوار لرئاسة الحكومة العتيدة، فقوبل هذا الترشيح باعتراض من السياسيين الذين وقفوا الى جانب الشرعية، ورفضه العديد من النواب ممن كانوا  صوتوا للرئيس شهاب، لكن رئيس الجمهورية ودون أن يجري الاستشارات النيابية التقليدية، أصدر في اليوم التالي لتسلمه السلطات الدستورية مرسوماً بقبول استقالة حكومة الرئيس سامي الصلح وتكليف رشيد كرامي تشكيل الحكومة الجديدة. متحججاً أن الوقت لا يتسع للاستشارات، والظروف ظروف استثنائية وملحة، ولا بد من حكومة تبدأ في احلال الأمن واحياء سلطة الدولة والقانون وفي أقصى سرعة

بسرعة قياسية أعلن الرئيس رشيد كرامي حكومته، ضارباً هو الآخر كل الأصول والأعراف المتبعة.

يضيف الأستاذ جوزف أبو خليل: ما أن تم اعلان التشكيلة الحكومية حتى استحال الاضراب الذي كان دعا اليه حزب الكتائب لمعرفة مصير "أبو الحن"، انتفاضة شعبية واسعة، بعد ما تبين أن لا مكان في هذه الحكومة للتيار الذي ناصر الشرعية، وبدا وكأن من انتفض على الشرعية سيقطف ثمار النصر، فيما استبعد عن الحكم من ناصر الشرعية ووقف الى جانبها.

رفض أنصار الشرعية منطق الغالب والمغلوب، ودخلت البلاد في أزمة جديدة: اقفال طرقات وانتشار مسلحين وشلل عام، وعادت اذاعة صوت لبنان الكتائبية الى البث بعد أن كانت توقفت قبل أيام تسهيلاً لمهمة رئيس الجمهورية.

هكذا بدأ ما عُرِف بالثورة المضادة، التي فجّرت الكبت المتراكم على مدى شهور، وراحت الثورة تتسع، وشهدت ساحة الشهداء معركة بين مؤيدي الرئيس شمعون ومعارضيه أسفرت عن مقتل 28 شخصاً واصابة 53 آخرين بجروح، وعقب ذلك انتقلت الثورة إلى المتن وكسروان وبعبدا وزحلة والبترون، ومناطق أخرى

رافقت صحيفة العمل الكتائبية الثورة المضادة، فعكست افتتاحياتها اليومية الرأي الرافض لخطوة رئيس الجمهورية، ففي افتتاحية 26 أيلول 1958 أشارت إلى أن الاضراب السلمي سيستمر بعد أن تفاقم تحدي شعور اللبنانيين بالتدابير الأخيرة، ومنها تشكيل الحكومة الجديدة، والاضراب سيستمر طالما الدولة متقاعسة عن اكتشاف من خطف فؤاد حداد وما هو مصيره، واحتجاجاً على تحدي اللبنانيين بقيام هذه الحكومة، وفي إفتتاحية 28 أيلول أشارت إلى أن معرفة مصير فؤاد حداد يشكل الأولوية الآن، واعتبرت أن حزب الكتائب قبِل بالخروج من الأزمة تحت شعار "لا غالب ولا مغلوب"، ولكن أتت هذه الحكومة لتعكس الآية ويصبح هناك غالب ومغلوب، وهذا لن تقبل به الكتائب ولا يمكن أن يسكت الرأي العام عن بقائها، وما يؤسف له أن تكون صدرت عن هذه الحكومة أعمال عرقلت الحل الذي كانت الكتائب تأمل أن يساعد على تهدئة الأمور واعادة البلاد الى حالتها الطبيعية

تلاقت الانتفاضة الشعبية التي عرفت بالثورة المضادة مع انتفاضة مماثلة على مستوى النواب، عبر التوقيع على عرائض تحمل الاحتجاج على القفز فوق التقليد البرلماني المتمثل في الاستشارات النيابية قبل تشكيل الحكومة، وتعلن سلفاً حجب الثقة عن الحكومة الجديدة.

استمرت الأزمة تتفاعل حتى 14 تشرين الأول 1958، حين قدّم الرئيس رشيد كرامي استقالة حكومته تحت وطأة الضغط الشعبي بعد حكم استمر 20 يوماً

بعد ساعات على استقالة حكومة الرئيس رشيد كرامي أعاد الرئيس شهاب تكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة وليل 14 تشرين الأول 1958 ولدت الحكومة الجديدة التي عرفت بالحكومة الرباعية وضمت الرئيسين رشيد كرامي وحسين العويني والعميد ريمون اده والشيخ بيار الجميل.

لم تكد تمضي ساعات معدومة على تشكيل الحكومة الرباعية حتى هدأت الأوضاع في سرعة مدهشة في البلاد، وصباح 15 تشرين الأول 1958 فتحت الأسواق التجارية في العاصمة، واستأنفت الأعمال في الادارات الرسمية، وعاد الأمن إلى جميع المناطق اللبنانية، وعادت السهرات العامرة في المقاهي، وعلى الأرصفة، وشعّت الأضواء من جديد في الملاهي والمراقص، وعادت البسمة إلى الوجوه، ونهاية تشرين الأول 1958 غادر لبنان آخر جندي أميركي.

أما فؤاد حداد فتبين أنه تم تصفيته من لحظة اختطافه وأصبح من عداد الشهداء.

فؤاد حداد "أبو الحن" المنسي: هو أيضاً من شهداء الصحافة وجب تكريمه مع باقي شهداء الصحافة.