المصدر: المدن
الكاتب: جاد هاني
الخميس 6 آب 2026 14:13:43
منذ الأوّل من كانون الثاني 2026، لم يعد الكربون تفصيلًا بيئيًّا في تجارة أوروبا، بل أصبح بندًا في الفاتورة. فقد دخلت آليّة تعديل الكربون على الحدود الأوروبيّة، المعروفة باسم "CBAM"، مرحلتها الماليّة، لتشمل الإسمنت، والحديد والصلب، والألمنيوم، والأسمدة، والهيدروجين، والكهرباء. والغاية المعلنة هي جعل الكلفة الكربونيّة للسلع المستوردة أقرب إلى تلك التي يتحمّلها المنتج الأوروبي بموجب نظام تداول الانبعاثات.
صحيح أنّ المستورد الأوروبيّ هو المسؤول قانونًا عن التصريح بالانبعاثات وشراء شهادات الكربون، لكنّ العبء الاقتصاديّ لن يتوقّف عنده. فمن المرجّح أن ينتقل جزء منه إلى المصنع اللبنانيّ عبر خفض الأسعار، أو تشديد شروط العقود، أو تفضيل مورّدين يملكون بيانات أكثر دقّة وإنتاجًا أقلّ كثافةً كربونيّة. وفي بلد تعاني صناعتُه أصلًا ارتفاع كلفة الطاقة، وتقادم البنية التحتيّة، والاعتماد الواسع على مولّدات الديزل، يطرح هذا التحوّل سؤالًا ملحًّا: هل تملك المصانع اللبنانيّة الأدوات والبيانات والقدرة الماليّة التي تتيح لها الامتثال لقواعد أوروبا الجديدة، أم أنّ الكربون سيصبح حاجزًا تجاريًّا إضافيًّا أمام صادراتها؟
ضريبة لا تُدفع عند الجمارك اللبنانيّة
لا تحظر الآليّة المنتج اللبناني، ولا تفرض عليه رسمًا لبنانيًّا مباشرًا. لكنّها تغيّر السعر الذي يستطيع المستورد الأوروبي دفعه. فإذا كان طنّ السلعة اللبنانيّة كثيف الانبعاثات، ارتفعت كلفة إدخاله إلى أوروبا، وقد يطالب المشتري بخفض سعر التوريد، أو يعيد فتح العقد، أو يتحوّل إلى مصنع يقدّم السلعة نفسها ببصمة كربونيّة أقلّ.
وهكذا تتحوّل "CBAM" من سياسة مناخيّة إلى أداة فرز تجاري. فالسعر والنوعيّة وموعد التسليم لم تعد كافية، بل أضيف إليها متغيّر رابع: كم طنًّا من ثاني أكسيد الكربون استُهلك لإنتاج السلعة، وهل يمكن إثبات ذلك؟
الخطر ليس نظريًّا تمامًا. فالاتّحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأوّل للبنان، وقد استحوذ في 2025 على 32.8 في المئة من تجارة لبنان السلعيّة، واستقبل 15 في المئة من صادراته. وبلغت وارداته من لبنان نحو 600 مليون يورو. صحيح أنّ السلع الخاضعة لـِ "CBAM" ليست كلّ هذه الصادرات، لكنّ السوق الأوروبيّة تبقى قناة لا يستطيع القطاع الصناعي التعامل معها بوصفها هامشيّة.
المشكلة تبدأ من العدّاد
لا تسمح المعلومات المتاحة علنًا بالجزم بأنّ المصانع اللبنانيّة المعنيّة تمتلك نظامًا موحّدًا وجاهزًا لحساب الانبعاثات وفق المنهجيّة الأوروبيّة. بعض كبار منتجي الإسمنت يراقبون استهلاك الوقود والطاقة وينشرون بيانات بيئيّة، لكنّ إعداد تقرير استدامة يختلف عن بناء حساب قابل للتدقيق يوزّع الانبعاثات على منشأة محدّدة، وخطّ إنتاج، ونوع منتج، ودفعة تصدير.
وفي الحديد والألمنيوم، تصبح المسألة أكثر تعقيدًا عندما تعتمد المصانع على الخردة، والكهرباء من الشبكة، والمولّدات الخاصّة، والوقود المباشر في مراحل مختلفة. المطلوب ليس فاتورة كهرباء إجماليّة، بل نظام يربط الطاقة والمواد الأوّليّة والإنتاج الفعلي بكلّ سلعة مصدّرة.
هذه ليست فجوة إداريّة صغيرة. فتقرير لبنان الأوّل للشفافيّة المناخيّة قدّر انبعاثات البلاد في 2022 بنحو 20.5 مليون طنّ من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وكانت الطاقة، بما فيها النقل، مسؤولة عن 77 في المئة منها، فيما شكّلت العمليّات الصناعيّة 12.6 في المئة. وبلغت انبعاثات إنتاج الإسمنت من العمليّات الصناعيّة وحدها نحو 899 ألف طنّ من ثاني أكسيد الكربون، من دون احتساب جميع انبعاثات الوقود والطاقة المرتبطة بالتصنيع.
مَن يصدّق الأرقام؟
لا يكفي أن يرسل المصنع جدولًا أعدّه محاسبه. فالقواعد الأوروبيّة تتطلّب، عند استخدام الانبعاثات الفعليّة، بيانات محسوبة وفق المنهجيّة المحدّدة وخاضعة للتحقّق من مدقّق معتمد. وقد أصدر الاتّحاد الأوروبي إطارًا خاصًّا لاعتماد المدقّقين والتحقّق من البيانات، كما نشر قيمًا افتراضيّة ملزمة ومعايير مرجعيّة للمرحلة النهائيّة. وهنا يكمن أحد أكبر المخاطر على المصنع اللبناني. فحين لا تتوافر بيانات فعليّة قابلة للإثبات، يمكن اللجوء إلى القيم الافتراضيّة الأوروبيّة. وهذه قد تكون أعلى من الانبعاث الحقيقي للمصنع، فيدفع المنتج، بصورة غير مباشرة، ثمن غياب القياس حتّى لو كان أكثر كفاءة ممّا تفترضه بروكسل.
وإذ لا توجد فاتورة موحّدة للاستعداد. فقد تحتاج منشأة صغيرة إلى خبير ونظام جمع بيانات، بينما يحتاج مصنع متعدّد الخطوط إلى عدّادات فرعيّة، وبرمجيّات، وإجراءات ضبط داخلي، وتحليل للمورّدين، وتدقيق خارجي دوري. وتتضاعف الصعوبة في لبنان بسبب الاعتماد على المولّدات الخاصّة وتعدّد مصادر الطاقة، ما يجعل تتبّع الانبعاثات أدقّ وأكثر كلفة.
لكنّ الإنفاق على القياس ليس العبء الأكبر بالضرورة. الخسارة الحقيقيّة قد تظهر في حسم يفرضه المستورد، أو في هامش ربح يتآكل، أو في عقد ينتقل إلى منافس تركي أو مصري أو أوروبي يستطيع إثبات بصمته الكربونيّة بصورة أسرع. وللوقوف على مستوى جهوزيّة القطاع الصناعي وخطّة السلطات لمواكبة المتطلّبات الأوروبيّة الجديدة، حاولت "المدن" التواصل مع جمعيّة الصناعيّين اللبنانيّين ووزير الصناعة، من دون تلقّي ردّ حتّى موعد النشر.
من ملفّ بيئي إلى سياسة صناعيّة
لا يُرجّح أن تختفي الصادرات اللبنانيّة المشمولة من أوروبا فجأة. الأرجح هو فرز تدريجي: مصانع تقيس وتوثّق وتخفّض استهلاكها، فتبقى في سلاسل التوريد، وأخرى تتأخّر، فتدفع علاوة كربونيّة أو تخسر الزبون.
الاستجابة المطلوبة ليست تعميمًا وزاريًّا آخر، بل برنامجًا صناعيًّا مشتركًا: تحديد الشركات والسلع المعرّضة، إنشاء مراكز مساعدة فنيّة، تدريب مدقّقين، تمويل العدّادات والطاقة المتجدّدة، وإصدار دليل وطني متوافق مع القواعد الأوروبيّة. كما ينبغي للمصانع أن تبدأ من المنتج، لا من المنشأة فقط، لأنّ أوروبا ستشتري طنّ الحديد أو الإسمنت، لا تقريرًا إنشائيًّا عن "الاستدامة".
لسنوات، استفادت السلع الصناعيّة اللبنانيّة من وصول تفضيلي إلى السوق الأوروبيّة بموجب اتّفاق الشراكة. أمّا الآن، فقد صار الإعفاء الجمركي وحده غير كافٍ. الحدود الجديدة ليست جدارًا من الرسوم، بل جدول بيانات: من لا يستطيع قياس كربونه، سيجد آخرين يسعّرونه نيابةً عنه.