الضمان يعزز رقابته ويلاحق المخالفين أمام القضاء: وقف تقديمات 17 مؤسسة و1217 أجيراً وهمياً في 6 أشهر

تعكس التجربة الراهنة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي مسارا اقتصاديا إصلاحيا يقوم على إعادة ضبط إدارة موارده، وربط الإنفاق الاجتماعي بالرقابة الفعالة وحسن التوظيف. وقد أظهرت المؤشرات المالية والإدارية خلال المرحلة الأخيرة أن تعزيز الحوكمة ومكافحة الهدر شكلا عاملا حاسما في استعادة التوازن التدريجي للصندوق، بما سمح بإعادة توجيه الأموال نحو تحسين التقديمات بدل استنزافها في المخالفات والتجاوزات. ويبرز الأثر الاقتصادي لهذا النهج من خلال الانتقال من منطق الاستنزاف إلى منطق الاستثمار الاجتماعي، حيث أتاح ضبط الموارد واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة اتخاذ قرارات ذات بعد اجتماعي مباشر، من بينها إعداد مرسوم لزيادة التعويضات العائلية بنسبة 75%، نتيجة مباشرة لحسن إدارة الموارد وتعزيز الإيرادات ومنع تسربها.

في هذا الإطار، يؤكد المدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي محمد كركي أن المسار الرقابي والقانوني الصارم يشكل إحدى الركائز الأساسية التي مكنت الصندوق من استعادة قدرته التدريجية على تحسين تقديماته وتوسيع مظلته الاجتماعية، مشددا على أن حفظ الأموال العامة وتوظيفها في مكانها الصحيح هو المدخل الأساسي لتعزيز الخدمات وصون حقوق المضمونين. ويلفت إلى أن حماية أموال الضمان ليست إجراء تقنيا فحسب، بل هي خيار اقتصادي واجتماعي ينعكس مباشرة على العدالة الاجتماعية والاستقرار المالي للنظام الضامن.

وانطلاقا من هذه المقاربة، تواصل إدارة الصندوق عبر مديرياتها المختصة ولاسيما مديرية التفتيش والمراقبة، متابعة الملفات المتعلقة بحماية أموال الضمان ضمن خطة إصلاحية شاملة يشرف عليها المدير العام، وتهدف إلى ترسيخ الشفافية والحوكمة الرشيدة، نهجا دائما لا رجوع عنه، بالتنسيق المستمر مع وزارة العمل في ما خص التدقيق المؤسسي وإعطاء إجازات العمل.

وفي السياق، تبين لمديرية التفتيش أن شركتين تورطتا في أعمال تزوير واستعمال مزور واحتيال، وتعمّد الاستفادة من تقديمات الصندوق من دون وجه حق، ما أدى إلى هدر أموال عامة. وفي التفاصيل ثبت أن مؤسسة "كفا للتجارة"، هي مؤسسة وهمية بالكامل، لا وجود فعليا لها ولا تملك أي عنوان حقيقي. وبيّن تقرير التفتيش أن المؤسسة سجلت 12 أجيرا وهميا لدى الصندوق من دون أي نشاط فعلي، ما استوجب شطبها من سجلات الصندوق وشطب تسجيل جميع الأجراء الوهميين، والعمل على استرداد التقديمات الصحية والاجتماعية المقبوضة دون وجه حق.
كذلك خضعت شركة "النقيب للتجارة العامة" للرقابة، استنادا إلى قرار المدير العام وبناء على كتاب وزير العمل. وأظهر تقرير التفتيش أن الشركة سجلت أجيرين وهميين، فاقتضى شطبهما من سجلات الصندوق، إضافة إلى تكليف الشركة تسديد الاشتراكات المتوجبة عليها بقيمة 73 مليون ليرة، وفقا للأصول القانونية المرعية.

وبعد استكمال الإجراءات الإدارية والرقابية، وبناء على توجيهات المدير العام، تقدمت مصلحة القضايا في الصندوق بواسطة محامي الصندوق بشكاوى جزائية مع اتخاذ صفة الادعاء الشخصي أمام النيابة العامة المالية في بيروت. وقد شملت الدعاوى الادعاء على مؤسسة "كفا" وعلى الأجراء الوهميين وعددهم 12، وكذلك على شركة "النقيب" وأجيرين وهميين، بجرائم التزوير واستعمال المزور والاحتيال وتعمّد الإفادة من تقديمات الصندوق دون وجه حق، وهدر أموال عامة، مع الادعاء على كل من يظهره التحقيق فاعلا أو شريكا أو متدخلا في هذه المخالفات. وقد سجلت الدعاوى في 18/12/2025 لدى قلم النيابة العامة المالية.

مخالفات كلّفت الضمان 1677 مليارا!
تندرج هذه القضايا ضمن إطار أوسع من خطة التفتيش التي بدأ الصندوق تنفيذها منذ حزيران 2025، والتي امتدت 6 أشهر، وأسفرت عن إنجاز 453 عملية تفتيش على مؤسسات مختلفة. وخلال هذه الفترة، جرى توقيف تقديمات 17 مؤسسة بسبب ثبوت وجود أجراء وهميين فيها، كما أوقفت تقديمات 1217 أجيرا ثبتت وهميتهم، إضافة إلى 1182 أجيرا لم يكن قد جرى التصريح عنهم سابقا، فتم تصحيح أوضاعهم. وقدّرت الكلفة المالية الناجمة عن هذه المخالفات بنحو 1677 مليار ليرة.

ويختم كركي بالتأكيد أن الصندوق سيواصل بلا تهاون ملاحقة أي مخالفة أو تجاوز، معتبرا أن حماية أموال الضمان شرط اقتصادي واجتماعي أساسي لضمان استمرارية النظام الاجتماعي وتحسين التقديمات وتعزيز الثقة العامة بهذه المؤسسة الوطنية، وأن أموال المضمونين ستبقى في صدارة الأولويات وتحت حماية رقابية وقضائية دائمة.