"العصا والجزرة".. واشنطن تحاصر طهران بمساري التفاوض والتحشيد العسكري

تطبق الولايات المتحدة العمل بسياسة "العصا والجزرة" في العلاقة الحالية مع إيران، في انتظار جولة المحادثات القادمة، وما يمكن أن تقدمه طهران من ورقة تعاطٍ جادة تشجع واشنطن على إنجاز اتفاق. 

ولا يعني لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أن يكون مسار التفاوض مع إيران وحيدا وأن يصاحبه إعطاء الأمان للطرف الآخر؛ لأن سجل طهران في المحادثات، التي تكررت وتنوعت في أكثر من حقبة، مليء بالمماطلة واستغلال الوقت لإعادة التموضع العسكري.

المسار المتوازي الذي ترى فيه الإدارة الأميركية ضرورة بجانب مَسلك التفاوض، هو استمرار الحشد العسكري، حتى يكون الرد جاهزا على طهران حال تكرار عادتها، بالتلاعب بالمحادثات أو إعادة تجهيز قدراتها وتحسينها.

وكانت وزارة الحرب الأمريكية قد أصدرت تعليمات لحاملة طائرات ثانية بالاستعداد للانتشار في الشرق الأوسط، في إطار استعدادات الجيش الأمريكي لهجوم محتمل على إيران، وفقاً لثلاثة مسؤولين أمريكيين تحدثوا لصحيفة "وول ستريت جورنال".

 وأفادت وسائل إعلام أمريكية مؤخرا بأن الولايات المتحدة قررت إرسال حاملة طائرات ثانية إلى محيط إيران، في خطوة تأتي وسط تصاعد التوترات مع طهران.

ونقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤولين أميركيين أن حاملة الطائرات "جيرالد آر. فورد" والسفن المرافقة لها ستنتقل إلى الشرق الأوسط.

مساران متوازيان 

ويؤكد الباحث في الشأن الإقليمي، محمد هويدي، أن إدارة ترامب تعتمد مقاربة مركبة في التعامل مع إيران، تقوم على مسارين متوازيين ما بين التفاوض المشروط الذي لا يلغيه الضغط، وممارسة الضغط المتصاعد الذي لا يغلق باب التفاوض.

انتزاع تنازلات

وعبّر هويدي، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، عن اعتقاده بأن هذه الاستراتيجية لا تهدف فقط إلى انتزاع تنازلات بل منع طهران من استغلال أجواء الحوار كمساحة زمنية لإعادة التموضع العسكري وتوسيع نفوذها وبالتالي تبقي واشنطن الباب مفتوحا أمام اتفاق أفضل.

وذكر هويدي أن الاتفاق الأفضل الذي تريده واشنطن هنا، يتجاوز الإطار القانوني الضيق المتعلق بالشق "النووي" ليشمل الصواريخ الباليستية والسلوك الإقليمي لطهران.

واعتبر أن الخطاب الأمريكي هنا يُظهر الاستعداد للحل السياسي ولكنه مقرون بشروط واضحة وضغوط مستمرة، في وقت ينتهج فيه ترامب فكرة أن لا مفاوضات بلا سقف سياسي وأمن محدد، ولا رفع تدريجيا للعقوبات قبل خطوات ملموسة يمكن التحقق منها.

 وأشار إلى أن مسار الضغط والردع بالتوازي مع خط المفاوضات، يفعِّل أدوات القوة لمنع أي استغلال للوقت خلال المحادثات متمثلا في التحشيدات العسكرية الهائلة في المنطقة، والتي تشير إلى أن الضربة قادمة لا محالة.

 واستطرد بالقول: "لا يمكن عودة هذه الحشود دون تحقيق أهدافها ولكن في الوقت نفسه، بوجود تلك القوات، تمنح الولايات المتحدة فرصة للحوار وبالتالي تعمل وفق مساري الضغط العسكري إلى أقصى حد وكذلك التفاوض".


ولفت هويدي إلى أن هذه القوة العسكرية تمنع إيران من الحصول على وقت مجاني خلال التفاوض الذي غالبا ما كانت تستثمره في أوقات سابقة لتفكيك الضغوطات وتحسين التموضع في المسارح الإقليمية.

 وقال هويدي، إن هذه السياسة تسعى إلى تسوية سريعة وإدارة صراع ضمن سقف مضبوط وإبقاء باب الحوار مفتوحا مع منع الخصوم من تحويله إلى مساحة لإعادة التموضع أو كسب الوقت. ونستطيع القول إن معادلة التفاوض تجري تحت "النار الباردة".

وفسر ذلك بأن "النار الباردة" تستخدم للضغط على إيران لإحداث اختراق في مسار التفاوض، ولا سيما بعد زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، في ظل تأكيد ترامب على أن الخيار هو المفاوضات؛ لأن التكلفة ستكون أقل حال النجاح في ذلك.

 الدبلوماسية أولا
ومن جهته يقول الكاتب والباحث في شؤون الشرق الأوسط، نبيل مملوك، إن الإدارة الأمريكية تفضل دائما المسار الدبلوماسي على المسار العسكري، حيث تصبح جميع الخيارات مستبعدة ومكروهة أمام الخيار الدبلوماسي.

 وذكر مملوك، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن الخيار الدبلوماسي يريح الولايات المتحدة من ناحية تأمين مصالحها في الشرق الأوسط، ومن ناحية حماية أمنها القومي والداخلي، وتعزيز أمنها الاقتصادي.

 وأضاف أن ترامب يحاول اليوم أن يوازن ما بين المسار السياسي الدبلوماسي والمسار العسكري، على قاعدة "العصا والجزرة"، بما معناه أنه يستخدم القوة الاستعراضية والمتانة العسكرية والبنية المسلحة كفزّاعة لإيران لكي يستطيع أن يقطف من شجرتها المزيد من التنازلات والمكاسب والانتصارات. 

الحرب النفسية
واستكمل مملوك بالقول، إن الحرب النفسية حاضرة من خلال الاستعراض العسكري المتمثل بحاملة الطائرات لينكولن، وحاملة طائرات جورج دبليو بوش وغيرهما، وقد تلجأ واشنطن بشكل جدي إلى أي ضربة عسكرية، وهو ما سيحظى بتشجيع ودعم إسرائيلي، حال استمرت طهران بالتعنت.

 وأشار إلى أن الترهيب من قبل الولايات المتحدة يرافقه ورقة الذهاب الجاد إلى ضربة عسكرية حال لم تثمر أي مفاوضات سياسية أو دبلوماسية عن حل، خصوصًا مع تعنت رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني الذي قال مؤخرا، إن المفاوضات محصورة فقط في البرنامج النووي.

وبحسب مملوك، فإنه كلما أوحت طهران بأن المسار الدبلوماسي يتقدم بشكل بطيء، تلجأ واشنطن للتفكير في ضربة عسكرية تضعف إيران وتقوّض النظام هناك، موضحا أن واشنطن لا تهدف إلى إسقاط النظام بل تحصيل المكاسب سواء بعملية نوعية أو موجعة لهذا النظام عسكريا وسياسيا.