العقار بدل المصارف ملاذ للمدخرات: اللبنانيون يشترون الأمان في قبرص واليونان ودبي

لم يعد العقار بالنسبة إلى اللبنانيين مجرد استثمار تقليدي أو وسيلة ادخار طويلة الأمد، بل تحول خلال الأعوام الأخيرة إلى أداة حماية مالية وخطة بديلة لمستقبل غير مستقر. ومع اهتزاز الثقة بالقطاع المصرفي وتراجع الحركة العقارية محليا، اندفعت الرساميل نحو الخارج، بحثا عن الأمان والعائد والإقامة. 

منذ عام 2018 تحديدا، تسارع انتقال الرساميل اللبنانية نحو الخارج، بحثا عن الأمان، أو عن خطة بديلة (Plan B). هكذا برزت قبرص واليونان ودبي وجهات مفضلة، وتحولت بيروت نفسها إلى منصة تسويق لمشاريع خارجية عبر معارض وإعلانات واجتماعات تستهدف الراغبين في نقل أموالهم إلى أسواق أكثر استقرارا أو ربحية.

هذا التحول لم يأت نتيجة حملة رسمية منظمة، بل عبر شبكة وسطاء، وشركات تطوير، ومعارض عقارية تقام في بيروت، واجتماعات في فنادق العاصمة، تعرض فيها مشاريع جاهزة وخطط تقسيط وعوائد إيجارية، ويروج فيها لفكرة "اشترِ الآن قبل أن ترتفع الأسعار أكثر".

اللافت أن الترويج لهذه الأسواق لا يجري في العواصم المعنية فقط، بل في بيروت نفسها. فالمعارض العقارية باتت حدثا متكررا، تنظمها شركات تطوير أجنبية أو وسطاء لبنانيون، وتعرض مشاريع في قبرص واليونان ودبي، مع تسهيلات دفع وحملات دعائية مكثفة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل. كذلك تعقد اجتماعات مغلقة لعرض فرص استثمارية محددة، ويستخدم خطاب يركز على "الهروب من المخاطر المحلية" و"تنويع الأصول" و"حماية العائلة"، وبذلك تحولت بيروت إلى سوق تسويق لعقارات خارج لبنان.

تعدّ قبرص اليوم الوجهة الأولى للبنانيين، فمنذ ما بعد الأزمة المالية العالمية، وخصوصا بعد عام 2015، بدأت السوق القبرصية بالتعافي التدريجي. وفي مرحلة سابقة، جذب برنامج منح الجنسية مقابل استثمار بقيمة مليوني دولار عددا كبيرا من اللبنانيين الراغبين في الحصول على جواز سفر أوروبي. ولكن بعد الفضائح التي طالت البرنامج، ألغي مسار الجنسية واستبدل بالإقامة الدائمة مقابل استثمار يقارب 300 ألف دولار.

هذا المبلغ بقي عاملا جاذبا مقارنة باليونان، حيث ارتفع الحد الأدنى للحصول على "التأشيرة الذهبية" في بعض المناطق إلى 800 ألف يورو. لذا، بقيت قبرص أكثر تنافسية من حيث الكلفة.

يتركز شراء الشقق في لارنكا وليماسول خصوصا، فيما تراوح أسعار الشقق التي يقبل عليها اللبنانيون بين 200 و300 ألف دولار، بمساحات تقارب 100 إلى 200 متر مربع.

ويشير رئيس مجلس الأعمال اللبناني - القبرصي جورج شهوان إلى أن اللبنانيين يملكون ما لا يقل عن 15 ألف شقة في قبرص، وإن تكن الأرقام الدقيقة غير متوافرة رسميا.

الدافع وفق بعض المعنيين ليس الإقامة فقط، بل أيضا العائد الإيجاري الذي قد يصل إلى 7 أو 8% سنويا، إضافة إلى الاستفادة من ارتفاع الأسعار. فالشقة التي تم شراؤها عام 2017 بنحو 90 ألف دولار، قد لا يقل سعرها اليوم عن 160 ألفا.

في المقابل، يقدّر شهوان عدد الشركات اللبنانية التي تعمل في قطاع البناء في قبرص بنحو 300 شركة، بدأ بعضها يواجه تحديات تتعلق بالقدرة التنظيمية والهيكلية، لافتا الى أن شركته باعت أكثر من 1100 شقة خلال الأعوام العشرة الماضية. ومن يشتري هم اللبنانيون العاملون في الخليج الذين يفضلون شراء الشقق بالتقسيط بدل ادخار أموالهم في المصارف اللبنانية، على أن يستثمروها في الإيجار أو الاستجمام العائلي.
في اليونان السوق أكبر، والنمو أسرع في بعض المناطق، لكن الكلفة أعلى والضرائب أثقل. فبرنامج "الإقامة" الذي بدأ بـ250 ألف يورو، ارتفع تدريجا ليصل إلى 800 ألف يورو، ما لجم اندفاعة المستثمرين اللبنانيين مقارنة بقبرص.

مع ذلك، لا يزال هناك إقبال، خصوصا من أصحاب الملاءة المالية المرتفعة، إذ تراوح أسعار الشقق بين 300 و400 ألف، وتصل في بعض المناطق إلى 700 و800 ألف يورو، تبعا للموقع والمساحة، وفق شهوان الذي يقدر عدد الشركات اللبنانية العاملة هناك بنحو 100 شركة تقريبا، وهو رقم أقل بكثير من قبرص.

أما دبي، فتمثل نموذجا مختلفا، إذ لا يرتبط الاستثمار فيها بالإقامة أو بالحصول على الجواز، بل بعوائد مرتفعة ومضاربات عقارية سريعة. علما أنه يتم تسويق المشاريع على أساس إمكان تحقيق أرباح تصل إلى 15 أو 20% سنويا، ما يجعلها بديلا مغريا من الودائع المصرفية، وفق نقيب المقاولين في لبنان مارون الحلو الذي يلاحظ "كثرة الاتصالات من دبي وأبو ظبي لإغراء أصحاب الأموال في لبنان للاستثمار في العقارات بعوائد مغرية".

في دبي، يتركز نشاط الشركات اللبنانية في إطار شراكات كبيرة أو عبر مستثمرين أفراد يعملون في الخليج. إلا أن شهوان يشير إلى اتساع الفجوة بين العرض والطلب، مع وتيرة بناء تفوق أحيانا حجم الطلب الفعلي، ما قد يضغط على الأسعار أو الإيجارات مستقبلا.

ولكن ماذا عن السوق العقارية السكنية في لبنان؟ يشير الحلو إلى "شبه جمود بنسبة تقارب 90% نظرا إلى الوضع القائم، مع حركة خجولة في المشاريع الصغيرة، فيما تبقى المشاريع الكبرى مؤجلة في انتظار استقرار سياسي ومالي أوسع".