الجمعة 17 حزيران 2022

7:42 ص

العملات الرقميّة سبيلاً للدولارات الطازجة

المصدر: الأخبار
الكاتب: فؤاد بزي

يرتبط الحديث عن العملات الرقمية في لبنان بالشكوى من الضغط الذي يسبّبه المستثمرون في هذا القطاع على شبكة الكهرباء. تعدّيات كثيرة تحصل، وشكاوى عديدة تُسجّل، من دون أن يعرف كثيرون ما هو هذا العمل الذي يتطلّب كلّ هذه الكهرباء: ما هي العملة الرقمية؟ وماذا يعني تعدينها، أو التنقيب عنها؟ وكيف يتم الاستثمار فيها؟

"أعطني كهرباء وإنترنت سريعاً أعطِك دولارات" يقول عادل، صاحب منصة لتعدين العملات الرقمية. يقول جملته هذه من دون أن تفارق عيناه الشاشة المليئة بالأرقام الخضراء والحمراء والرموز غير المفهومة.

يمضي عادل أكثر من اثنتي عشرة ساعة يومياً أمام هذه الشاشة. يبيع ويشتري ويراقب ويقرأ الأخبار ويتابع المستجدّات، لأن هذا ما يتطلّبه عمله في تعدين العملات الرقمية التي باتت تُعدّ واحداً من الأعمال المزدهرة خلال الأزمة الاقتصادية في لبنان، ليس بسبب الأزمة فحسب، بل بسبب الارتفاع الكبير في أسعار العملات الرقمية وتهافت المستثمرين عليها خلال السنوات الأخيرة، حتى إن عدداً من الشركات والدول بدأت بإطلاقها على مستوى واسع كبديل عن العملات العالمية كالدولار واليورو، للالتفاف على العقوبات والنظام المصرفي العالمي، بالإضافة إلى اعتماد الكثير من المنصات التجارية الرقمية عليها لإتمام عمليات البيع والشراء.

ما هي العملة الرقمية؟

بعد المقايضة، والذهب والفضة، ومن ثمّ العملات الورقية والمعدنية، فالبطاقات المصرفية، وصلنا إلى العملات الرقمية التي لا نحتاج للحصول عليها إلى أكثر من نقرة على شاشة الهاتف الجوّال.

أشهر هذه العملات البيتكوين (أمّ العملات الرقمية) التي أُطلقت في خضم الأزمة المالية العالمية سنة 2008، وإلى اليوم لا تزال الجهة التي أطلقتها غير معروفة الهوية الكاملة ولكن النيّة معروفة: "النظام المالي العالمي القديم يجب أن يُستبدل".

العملة الثانية التي تلت البيتكوين هي الايثيريوم، في عام 2013، ثم تتالى ظهور العملات لنصل إلى ما يقارب العشرين ألف عملة رقمية يجري تداولها حالياً.

وكما يدلّ اسمها، هي عملة غير موجودة في عالم الواقع الملموس، أي خارج شاشات أجهزة الكمبيوتر. كما أنها غير مرتبطة بسلطات النقد العالمية المعروفة بالمصارف المركزية، لأنها لا تصدر عنها ولا تخضع لقوانينها، بل تمتلك نظاماً لا مركزياً يقوم بتسجيل المعاملات الخاصة بها ويصدّرها ما يجعلها خارج القيود الدولية.

هذا الأمر أنشأ نظاماً يعمل بين المستخدمين وفق نظام peer to peer (من شخص إلى شخص)، ما سمح للدول والأشخاص بالالتفاف على العقوبات والقيام بعمليات شراء وبيع عبر الإنترنت بعيداً عن أعين الرقابة.

 

 

إذاً العملة الرقمية بُنيت على فكرة الثقة بين البائع والشاري، وهي محمية عبر تقنية سلسلة الكتل الموجودة لدى كلّ المعدّنين (المنقّبين) حول العالم ولا يمكن اختراقها أبداً حتى الآن.

الاستثمار في العملة الرقمية

يمكن شراء هذه العملات عبر الإنترنت بواسطة البطاقات الائتمانية أو نقاط البيع في حالة لبنان، على أن يكون الدفع بالعملة الأجنبية. هنا ينصح أحد خبراء التعامل الإلكتروني بـ"القراءة والتحقّق قبل اختيار العملة التي تريد شراءها" فالمخاطر تزداد كلّما زاد حجم الاستثمار.

أمّا أسعار العملات فهي غير ثابتة وتشبه الأسهم في البورصة، وبالتالي قيمتها السوقية تُحدّد عبر العرض والطلب. على سبيل المثال واحدٌ من أسباب ارتفاع سعر البيتكوين (لا كلّها) هو ندرة وجودها، كما أنّ عمليات الشراء المكثفة لأيّ عملة ترفع ثمنها. وهناك دور للإعلام في الترويج لبعض العملات والتقليل من قيمة أخرى، مثلما حصل مع تغريدات إيلون ماسك (مالك شركة تيسلا وسبيس أكس) التي رفعت من قيمة بيتكوين بنسبة 3%.

المحفظة الإلكترونية

بعد شراء العملة، يحصل الزبون على محفظة إلكترونية محمية بمفتاحين: عام وخاص. المفتاح الأول يمكن لكلّ مستخدمي الإنترنت معرفته ليتمكنوا من التحقق من محتويات هذه المحفظة، لكن من دون القدرة على معرفة صاحبها أو استخدام موجوداتها. أمّا المفتاح الثاني، المعروف بـ"المفتاح الخاص" فهو طريق صاحب العملة إلى الدفع والتحويل، وعليه بالتالي الحفاظ على سرّية هذا المفتاح إذ تُعتبر عملية قرصنته الطريقة الوحيدة لسرقة العملات الرقمية.

تنقسم المحافظ الإلكترونية بدورها إلى قسمين: الأول يُسمّى المحافظ الباردة التي يقوم أصحابها بحفظ مفاتيحهم الخاصة على أجهزة غير موصولة بالإنترنت، أو حتى طباعتها على أوراق لاستخدامها لاحقاً. وهنا قد تضيع هذه الأرقام أو تُنسى فلا يمكن عندها استرجاع موجودات المحفظة.

أما القسم الثاني فهو المحافظ الساخنة الموجودة للاستخدام بشكل مباشر على الأجهزة الموصولة بالشبكة، ما يسهّل استخدامها بسرعة مع تخفيف نسبة الأمان.

ما هو التنقيب؟

لشرح هذا الأمر ننطلق من المثال التالي: تريد زينب شراء هاتف جديد سعره 5 عملات رقمية من شركة أو محل يعتمد الدفع بإحدى العملات الرقمية التي تمتلك منها في محفظتها. تقوم بتسجيل معاملة لإرسال المبلغ المحدّد من محفظتها إلى محفظة المحل. هذه العملية تتم عبر إدخال المفتاح الخاص بها (السرّي) لتتمكن من التحويل، والمفتاح العام للمحل للاستقبال وقيمة المبلغ. عندها يتم وضع هذه المعاملة على شبكة الإنترنت بشكل مشفّر، حيث يقوم بعدها المنقّبون بالتأكّد من صحة المعلومات عبر حلّ شيفرات رياضية باستخدام كمبيوترات ضخمة، أو ما يُعرف بـ"مزارع التعدين".

بعد التأكّد من صحة المعلومات، يقوم البرنامج الخاص بالمنقّب بإضافة كتلة على سلسلة الكتل تحتوي على المعلومات الخاصة بعملية الدفع التي قامت بها زينب. ما يقوم به المنقّب لا يأتي بشكل تطوّعي أو مجاني، بل لقاء مقابل، لذا توجّه شباب كثر نحو هذا العمل ومنهم من غيّر مكان إقامته ليكون موجوداً في منطقة لا تنقطع فيها الكهرباء أو تحظى بتغطية كهربائية جيدة، وقد تسبّب الأمر أحياناً بخروج شبكة الكهرباء عن العمل.

إنتاج الدولارات

انتشرت مزارع التعدين كالفطر حول العالم، روّادها الشباب المتحمّس للإنتاج بجهد قليل لا يتعدى تشغيل أجهزة الكمبيوتر، ولبنان من هذه الدول.

تقوم فكرة مزرعة التعدين على شراء كمبيوترات بمواصفات عالية تزيد من سرعة فك الشيفرات الخاصة بالمعاملات الرقمية مقابل بدل بالعملة الرقمية التي يعملون عليها. في بعض الأحيان يشترط أصحاب مزارع التعدين بدلات عالية مقابل السرعة في إنجاز المعاملات.

وإلى "مزارع التعدين"، يستثمر شبان لبنانيون أيضاً في بيع هذه العملات وشرائها بعمليات تشبه البورصة عبر المنصات الرقمية. وهي تقوم على فكرة شراء عملات رقمية واعدة، وانتظار تحرّك قيمتها لإعادة بيعها. وهنا ينصح علي، الذي يعرّف عن نفسه بأنّه "خبير عملات رقمية" بـ"ضرورة عدم الاستعجال ورمي مبالغ مالية كبيرة في سوق متقلّب، فالكثير من الشباب يخسر أمواله بسبب شرائه لعملات غير آمنة تفقد قيمتها بسرعة، ويمكن أن تنهار وتنتهي أيضاً بدون أي تعويض".

في المقابل يقول صافي إنّه "اختار لهذا الاستثمار منصة ذات صيت عالمي ومصنّفة ضمن العشرة الأوائل كي لا يتعرّض لعمليات خداع مشابهة لما حصل منذ أشهر في لبنان".

ويضيف أنّ "اختيار العملات كان بعد بحث وتدقيق لمعرفة مشروع العملة الذي أسّست لأجله"، وعليه اختار الاستثمار في "عملات تابعة لدول كونها تستند إلى اقتصادات وتعاملات موثوقة مثل دفع الضرائب، وهذا يمكن معرفته بتدقيق بسيط عبر شبكة الإنترنت". أما إذا رغبت في الاستثمار بعملات تابعة لمؤسسات فيؤكّد صافي على "ضرورة التأكّد من شخصيات الفريق العامل أو المؤسّس عبر مواقع التواصل الاجتماعي".

وينهي حديثه بالقول: "في دخولي الأول استثمرت بـ450 دولاراً تضاعف حتى 1200 دولار ولكنني الآن خسرت وعدت إلى 120 دولاراً"، مؤكّداً على عدم البيع لأنّ "السّوق سيعاود الارتفاع وهدفي الأخير الوصول إلى أرباح كبيرة مشابهة لما حصل مع المستثمرين الأوائل في بيتكوين".

«البيتكوين» تقطع الكهرباء

هم أغراب في قرى البقاع الغربي، وفي سحمر تحديداً. انتقلوا إلى الإقامة فيها لأنها تحظى بتغطية كهربائية متواصلة مستفيدة من الطاقة الكهرومائية. «الأمر الوحيد الذي نحصل عليه من حقوقنا في هذه الدولة هو الكهرباء» تقول ابنة سحمر، بتول قزويني في منشور لها على موقع «فايسبوك». لكن هذا الحق، باتت تنتهكه «مكنات البيتكوين» كما تكتب، متسائلة عن هوية أشخاص «يأتون من خارج المنطقة ويقيمون عندنا لكي يستطيعوا تشغيل هذه «المكنات» التي تسحب الكثير من الكهرباء»، ما يتسبّب بخروج الشبكة من الخدمة.

تستفيد سحمر، جارة نهر الليطاني وبحيرة القرعون في البقاع الغربي، من التغذية الكهربائية من معمل «ابراهيم عبد العال» الذي يستخدم المياه لتوليد الكهرباء بقدرة كليّة تبلغ 37 ميغاواتاً. وما يميّز هذا المعمل وأخواته أنّه لا يحتاج إلى الوقود «المقطوع» بل يعمل على جريان مياه النهر، بالتالي الكهرباء لا تنقطع هناك. هذا ما دفع الكثير من أصحاب «مزارع التعدين» إلى استئجار محال في هذه المناطق للاستفادة من خط كهربائي «شبه مجاني» لا ينقطع ما يضاعف أرباحهم. ذلك أن الكمبيوترات المستخدمة في التعدين تحتاج إلى طاقة عالية، وبسبب انتقال عدد كبير من أصحاب هذه المزارع إلى المنطقة انهارت شبكة الكهرباء هناك بشكل تام تقريباً الصيف الماضي. لذا يرفع أهالي القرى هناك الصوت دائماً للمطالبة بالتدخل لإعادة الكهرباء التي لم تنقطع طوال مدة الحرب الأهلية عن منطقتهم، كما تقول قزويني لـ«الأخبار». يذكر أن المعاناة نفسها مع الكهرباء تواجه أهالي القرى التي تستفيد أيضاً من معمل الأولي، لا سيّما في قرى جزين وإقليم الخروب وإقليم التفاح.