المصدر: المدن
الكاتب: لارا الهاشم
الجمعة 24 تموز 2026 16:01:51
عندما تطأ قدماك طريق قعقعية الجسر جارة زوطر الغربية، تسمع حكايات عن جمال بلدة لم يسبق لك أن خبِرت بها. يخبرك أهل زوطر الذين ينتظرون هناك العودة منذ ثلاثة أيام عن بلدة خضراء، واقعة على ضفة نهر الليطاني مشهورة بزراعاتها وبمحافظتها على طابعها التراثي. يحكي ابناؤها عن بلدة دافئة بأهلها الذين حافظوا على التقاليد القروية ضمن مساحة جغرافية ضيقة. يخبرونك كل ذلك بحرقة وهم ينظرون من القعقعية إلى بيوت حرموا الوصول إليها وإلى جبل قد يخفي خلفه فظائع لم يتخيلوا حجمها.
العودة التي لم تكتمل
لليوم الثالث وصل أبناء زوطر الغربية إلى مشارف بلدتهم ملتفّين عبر قعقعية الجسر لأن الطريق الأقصر عبر النبطية الى زوطر الشرقية مقطوع بفعل الاحتلال. تحت وطأة لهيب الشمس على درجة حرارة مرتفعة جلسوا كما في اليومين السابقين ينتظرون أن يأذن لهم الجيش اللبناني بالدخول لتفقد أرزاقهم. معظمهم سمع أو رأى أو استخلص أن منزله أو محله دمّر كليّاً أو جزئياً، لكنه يصرّ على توثيق الحقيقة بعينه وعلى إنقاذ ما تبقى من ذكرياته. بعضهم يتحدث عن منزل أحرق، وعن حرمة بيوت انتهكت من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وهم على اختلاف خسارتهم يريدون العودة رغم كل شيء وإعادة الإعمار والعيش بسلام كما سبق.
إذا سألتهم عن رأيهم بنموذج المنطقة التجريبية يجمعون على انتقاده ورفضه، حتى أن بعضهم يصفه بالمذلّ أو بالمهين على حد قول إحسان إبنة زوطر أباً عن جد. هي ككثر من أبناء بلدتها تعتبر أن الدولة اللبنانية وبقبولها فصل الزوطرين الغربية والشرقية قد وافقت على تجزئة بلدتين متداخلتين تتقاسمان كل مقومات الحياة، فيما المطلوب هو تحرير زوطر الشرقية المحتلّة بالكامل ليعاد وصل شريان الحياة. فكثر من أبناء زوطر الغربية يتبعون عقارياً للشرقية حيث بنوا منازلهم، كما أن زوطر الغربية تتغذى بالماء والكهرباء من جارتها الواقعة على جهتها الشرقية، وبالتالي فلا عيش لأحد الزوطرين من دون عودة الحياة إلى الآخر. لسان حال أبناء البلدة المهجرين هو أن تستعيد الدولة اللبنانية كل الجنوب وأن تفرض وجودها فيه، لأن الإهمال هو الذي أدى إلى إيجاد "المقاومة" كما ردّد أحدهم.
الجيش ماضٍ في عملية الانتشار في زوطر الغربية
صحيح أن الجيش الاسرائيلي لم يسبق له أن احتلّ زوطر الغربية عبر تثبيت مواقع له فيها، لكنه كان يتحرّك بحرية بين أحيائها ويسّير آليات فيها بفعل احتلاله لزوطر الشرقية. كان يفخّخ ويفجّر منازلها ويعيث خراباً في معالم البلدة وانطلاقاً من هنا يعدُّ انتشار الجيش اللبناني فيها استعادةً لسلطة الدولة على جزء ولو كان بسيطاً من أراضيها. في هذا الإطار جاءت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام لزوطر الغربية يوم الأربعاء التي أعقبتها جولة تفقدية لقائد الجيش العماد رودولف هيكل صباح الخميس حيث اطلع على الترتيبات الأمنية والإجراءات المتخذة من قبل الجيش بهدف تأمين عودة آمنة للسكان، كما اثنى على جهود الوحدات العسكرية العاملة هناك، والمنتشرة في البلدة رغم خطورة المهمّة. وفي معلومات "المدن" أن الجيش ومنذ بدء انتشاره في البلدة ثبّت عدة نقاط له فيها واستكمل فوج الهندسة عملية المسح للأحياء والطرق العامة حيث فجرّ أجساماً مشبوهة وعثر على ذخائر، فيما لم يتوصّل بعد إلى مسح الممتلكات الخاصة للتأكد من خلوّها من أي أجسام خطرة.
وعليه بقي الدخول إلى البلدة ممنوعاً على المدنيين في اليوم الثالث حرصاً على سلامتهم، فيما فتح طريقها عبر القعقعية أمام فرق الهيئة الصحية الإسلامية وجمعية الرسالة للأسعاف الصحي، كما انتظرت سيارات كشافة الرسالة والصليب الأحمر اللبناني عند مدخلها للمؤازرة بناء على طلب الجيش اللبناني. فيوم الخميس كان يوم البحث عن الشهداء الذين لم تحصَ أعدادهم بعد بدقّة، فيما ترجح مصادر مطلعة ألا تتخطى العشرة. وفي معلومات "المدن" أن الهيئة الصحية انتشلت ثلاثة جثامين من حقل في البلدة، في إطار تتبّع تداعيات إحدى الغارات التي تركت أثرها على الأرض، بعد كشف الجيش على الحقل المذكور. وهنا تقول أوساط الهيئات الصحية إن البحث عن الشهداء يستند إلى أكثر من معطى منه ما هو وارد من الجيش اللبناني أو من أهالٍ يبحثون عن مفقودين أو من إحداثيات عسكرية تنظيمية تؤكد وجوداً سابقاً لمقاتلين في بقعات محدّدة. بناء عليه، تتحرك الهيئات الصحية لمساعدة الجيش اللبناني على البحث عن الجثامين في البقع المحدّدة، وتقوم هي بنقل الرفات إلى المستشفيات لإجراء فحوص ،DNAكما حصل يوم الخميس. وفي المعلومات أيضاً أن الصليب الأحمر اللبناني قد كلّف أيضاً بمهمة مؤازرة الجيش اللبناني يوم الخميس في نقل الجثامين أو حتى تأمين الإسعاف في حال وقوع إصابات أثناء عمليات المسح والكشف وانتشال الضحايا. فيما عملية البحث عن مفقودين تحت الأنقاض تفترض استقدام آليات ضخمة، وهو ما فعله الجيش اللبناني بعد ظهر الخميس ليبدأ عملية رفع الركام صباح الجمعة.
نقطة الصفر لم تحدّد بعد
يحرص الجيش اللبناني على سلامة المواطنين والإعلاميين ولهذا السبب يتريث في فتح باب العودة. حتى اللحظة لم يتّخذ القرار بفتح هذا الباب إلى حين التأكد من تأمين مسار آمن وسط فوضى تداعيات الحرب ووجود الجيش الإسرائيلي في تخوم البلدة التي سبق أن أطلق منها النار على محيط الوحدات العسكرية اللبنانية التي كانت تنفذ انتشارها. يتفهّم الجيش حرقة الأهالي الذين يصلون الليل بالنهار في انتظار الضوء الأخضر لتفقد ممتلكاتهم، لكن الأولوية بالنسبة إليه هي تحديد بقعة آمنة لتنقل المدنيين. أما أبناء زوطر فيكفيهم أن يروا أرضهم وهم يعلمون أن العيش فيها راهناً مستحيل. فمقومات العيش فيها، من بنى تحتية ومزروعات، أزيلت عن بكرة أبيها، مثل محولات الكهرباء أو أشجار الزيتون التي سرقت ونقلت إلى خارج الأراضي اللبنانية. ليبقى السؤال: هل ستشهد الساعات المقبلة جولة ميدانية مدنية، ولو محدودة، تشفي غليل الأهالي؟ الجواب يبقى رهن التطورات الأمنية والميدانية.