المصدر: نداء الوطن
الكاتب: د. جوسلين البستاني
الأربعاء 19 آب 2026 07:41:55
لا عجب أن تصل كل محاولة لإخراج لبنان من أزمته إلى طريق مسدود، فحتى المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل تبدو مهددة بأن تلقى المصير نفسه. وما دام "حزب الله" قادرًا على اتخاذ سياسات يدفع اللبنانيون ثمنها، من دون أن تنجح الدولة في اتخاذ خطوة حاسمة لإنهاء هذه المعادلة، فلن يتغير شيء جوهري. كأن الكلفة التي تكبدها اللبنانيون منذ ثمانينات القرن الماضي لم تكن كافية.
ولعل ما قاله في الآونة الأخيرة رئيس مجلس الشورى الإيراني، محمد باقر قاليباف، عن انخراطه في القضايا المتعلقة بلبنان منذ عام 1985، واستمراره حتى اليوم في التواصل مع مقاتلي "الصفوف الأمامية" فيه، في إشارة إلى "حزب الله"، يذكر بأن المعضلة التي تواجهها الدولة اللبنانية اليوم ليست وليدة اللحظة. بل تعود إلى عقود مضت، شهد خلالها لبنان حوادث كلفته أثمانًا باهظة، ورسخت في الوعي الدولي صورته كبلد ترتبط أرضه بالإرهاب والخطف والميليشيات وانعدام الاستقرار.
وفي العام نفسه، وقعت واحدة من أبرز الحوادث التي كرست تلك الصورة: ففي حزيران 1985، خُطفت طائرة TWA 847 واحتجز ركابها رهائن لمدة سبعة عشر يومًا. ورغم أن العملية لم تتبنها أي جهة رسميًّا، خلصت ملفات وزارة العدل الأميركية ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) إلى أن عماد فايز مغنية كان العقل المدبر لها.
والمفارقة أن اللبنانيين لم يكونوا هم من خطفوا الطائرة، لكنهم حملوا، لعقود، تبعات ما جرى باسم بلدهم. ومنذ ذلك الحين، يدفعون ثمن هذه الصورة بأشكال مختلفة: في السفر وعند طلب تأشيرة، وفي السياحة والاستثمار، وفي الاقتصاد، وفي الهجرة.
تغيرت الظروف، لكن المشكلة بقيت: الوطن يدفع كلفة قرارات لا تملك الدولة وحدها حق اتخاذها. وكلما اقترب لبنان من استعادة سيادته، يظهر سؤال جديد عن الثمن الذي يفترض أن يدفعه اللبنانيون مقابل استرجاع حق كان يفترض أن يكون للدولة أصلا.
وفي هذا السياق، ينبغي التوقف عند تداول معلومات تتحدث عن اقتراحات عربية أو دولية مزعومة تقضي بمنح الطائفة الشيعية قيادة الجيش أو استحداث منصب نائب لرئيس الجمهورية مقابل تسليم "حزب الله" سلاحه. إذ ينبغي أن تقرأ أيضًا من زاوية عمليات التأثير السياسي والإعلامي، حيث يتعذر تحديد المصدر الأول لهذه الروايات، فيما يشكل الغموض المتعمد في كثير من الأحيان جزءًا من آلية انتشارها.
لذلك، لا تكمن الأهمية في معرفة من أطلق الرواية أولا، بل في تحديد الأثر السياسي الذي تنتجه والجهة التي تخدم مصالحها الاستراتيجية. فعندما يُقدَّم نزع السلاح على أنه خطوة لا بد أن تقابلها تنازلات دستورية أو مؤسساتية للطائفة الشيعية، ينتقل النقاش تدريجيًا من حق الدولة في حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم إلى سؤال آخر: ماذا ينبغي أن يحصل عليه "حزب الله" أو بيئته السياسية في مقابل تسليم سلاحه؟
وهنا تكمن خطورة إدخال فكرة "الثمن" إلى النقاش. فهي تنقل قرار الحرب والسلم من كونه حقًا سياديًّا للدولة إلى كونه ورقة تفاوض، وتحول استعادة الدولة لصلاحياتها من مسألة تتصل بحقها ومسؤوليتها الدستورية إلى مسألة تتطلب تقديم تنازلات في المقابل. والأخطر أن هذه الروايات، سواء جاءت نتيجة تسريبات سياسية أو اجتهادات أو محاولات متعمدة للتأثير في النقاش العام، قد تؤدي بذلك وظيفة سياسية بحد ذاتها: ترسيخ هذا المنطق وجعله يبدو وكأنه أمر طبيعي.
لكن يبقى السؤال الذي يجب ألا يضيع وسط هذه الروايات: مرة أخرى، ألم يدفع اللبنانيون منذ الثمانينات أثمانًا باهظة نتيجة حروب "حزب الله" وتورطه في صراعات إقليمية لم يكن القرار الوطني وحده يحددها؟
واليوم، تظهر المشكلة بأوضح صورها في المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل.
لبنان يريد وقفًا دائمًا لإطلاق النار وانسحابًا إسرائيليًا من الجنوب. وفي المقابل، يظل سلاح "حزب الله" وآليات تنفيذ الترتيبات الأمنية هما العقبة. ويتجلى هنا المأزق الذي صنعه الواقع اللبناني على مدى عقود: إذ عندما يحاول لبنان الخروج من أزمته، سرعان ما يصطدم بواقع سياسي وعسكري يحول دون استعادة الدولة قرارها كاملا. وهذا ما يجعل المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية الحالية لحظة مفصلية.
فلبنان يحاول للمرة الأولى منذ عقود أن يتصرّف كدولة في مواجهة إسرائيل، لكنه لا يستطيع أن يقنع الطرف الآخر بسهولة بأنه يملك وحده القدرة على ضمان ما يتفاوض عليه. والتطور الأخطر جاء في خطاب الأمين العام لـ"حزب الله" في 14 آب، حيث لم يكتفِ قاسم برفض المفاوضات المباشرة نفسها ومضمونها، بل وصف "اتفاق الإطار" بأنه إملاءات إسرائيلية توقّع عليها السلطة اللبنانية، التي اتهمها بأنها تتحرك تحت وصاية أميركية.
هذه هي المفارقة التي لا يمكن تجاهلها. فإذا لم تتصرف الدولة، قيل إنها عاجزة. وإذا تصرفت بطريقة لا توافق عليها "المقاومة"، قيل إنها خاضعة أو مستسلمة. فكيف تستعيد الدولة صلاحياتها إذا كان عليها أولا أن تحصل على موافقة القوة التي يفترض أن تخضع لقرارها؟
ربما آن للدولة أن تظهر قدرًا أكبر من الحزم، وأن تتعامل مع استعادة صلاحياتها بوصفها مسؤولية لا تحتاج إلى موافقة من أحد. فاللبنانيون لم يعودوا قادرين على دفع الأثمان. وإذا كانت الفاتورة وطنية، فينبغي أن يكون القرار وطنيًا.