القطاع المصرفي وتحديات النهوض في ظل المنافسة الإسرائيلية

لم يكن منطقياً التصويب المُمنهج بحق حاكمية مصرف لبنان، قبل وخلال تعيين الحاكم الجديد كريم سعيْد. انطلاقاً من أنّ السهام لا تصيب الحاكم بشخصه، بل الحاكم بموقعه، بينما المطلوب لبنانياً تعزيز دور المصرف المركزي، ومعه القطاع المصرفي برمّته، لإعتبارات بالجملة، ابرزها: حماية القطاع، ومعه اموال اللبنانيين، والعمل لإعادة الثقة لجذب المستثمرين العرب تحديداً، في ظل سباق اقتصادي - مالي دولي، تبرز فيه إسرائيل إقليمياً، في المنافسة، للتفوّق بتوظيف اموال عربية، كانت جهّزت لها الخطط المصرفية، إثر إعداد اتفاقيات أبراهام، والسعي لعقد صلح وتطبيع مع الدول العربية. وتجري حالياً إعادة دفعها قُدُماً، بعدما وصل الرئيس الاميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مجدّداً. وهو سيكون عنوان المرحلة الآتية، انطلاقاً من زيارة ترامب نفسه إلى المنطقة في شهر ايار المقبل.

فأين لبنان مصرفياً؟

عندما صدر قانون السريّة المصرفية في لبنان عام 1956، كانت بدأت دول عربية تعتمد الأنظمة الإشتراكية، فحوّل الأثرياء العرب أموالهم إلى مصارف لبنانية، هرباً من أنظمة دولهم، ولأن مضمون القانون اللبناني المذكور فرض "كتمان السر لمصلحة زبائن هذه المصارف، وعدم إفشاء ما يعرفونه عن اسماء الزبائن وأموالهم والأمور المتعلقة بهم"، سواء لجهات خاصة او عامة. وهي سرّية مطلقة أدّت دورها الكامل بجذب الاموال العربية بالدرجة الأولى، إلى مصارف لبنان.

لكن الظروف السياسية الداخلية المتشابكة، وسوء الادارة والهدر والفساد وغياب المحاسبة، وانخراط لبنان في لعبة الإقليم طيلة المرحلة الماضية، ثم حصول نكبة القطاع المصرفي خلال السنوات السابقة نتيجة كلّ ذلك، كلها ساهمت بإضعاف دور القطاع المصرفي اللبناني، في زمن محاولة إسرائيل جذب الأموال العربية إلى مصارفها. فيما جاء طرح تعديل او الغاء قانون السرية المصرفية في لبنان، ليزيد من إضعاف قدرة لبنان على جذب الاموال من الخارج.

ماذا تفعل اسرائيل؟

خطّطت إسرائيل منذ سنوات لتوقيع اتفاقيات تجارية ومالية مع دول عربية، وتحديداً الخليجية منها التي تملك قدرات مالية ضخمة، وحصلت شراكات بين "بنك لئومي" الإسرائيلي، وشركات عربية لإدارة وتطوير قطاعات وموانئ في الاقليم، بدءاً من موانئ إسرائيلية. بالتوازي، كان بنك إسرائيل يُصدر تقارير حول الدور العربي في إنقاذ الاقتصاد الإسرائيلي، انطلاقاً من وجوب تشغيل اليد العاملة العربية داخل إسرائيل في القطاع المصرفي، مما يساهم ايضاً في جذب اموال عربية إلى تلك المصارف. ومن هنا، جاء تعيين "البنك الوطني الإسرائيلي" لأول عربي سامر حاج يحيى، لترؤس ادارته، وهو اكبر المصارف الاسرائيلية.

علماً أن إسرائيل تملك مصارف كبيرة عدة، ابرزها: بنك لئومي، بنك هبوعليم، بنك ديسكونت، بنك مزراحي تفاهوت، بنك إسرائيل الدولي الأول، تنافست في ما بينها لوضع خطط الجذب المالي اليها. وكانت تقارير ما قبل حرب غزة، أشارت إلى أن "بنك هبوعليم" مثلاً، حصل عام 2023، على 2 ملياري شيكل في الربع الأول من العام، بزيادة قدرها 21٪ مقارنة بالربع المقابل و14٪ مقارنة بالربع الأخير.

وجاءت تلك التقارير لتسلّط الضوء على "النجاحات المصرفية الاسرائيلية"، وتشجيع المستثمرين والمتمولين في الاقليم، وفي طليعتهم العرب، لتوظيف اموالهم في المصارف الاسرائيلية.

واذا كانت حرب غزة ولبنان، أدت إلى وقوع خسائر مالية اسرائيلية، وتخفيض وكالة "موديز" للتصنيفات الائتمانية، التصنيف الائتماني من درجة "A2" إلى "A3"، لأكبر خمسة بنوك في إسرائيل، فإن تلك المصارف تضع المسؤولية على الادارة السياسية للحكومة الاسرائيلية، وظروف الحرب "العابرة"، وهي بدأت تعدّ الخطط الإعلامية لترويج مقولة أنّه "فور انتهاء الحرب، وتقدّم خيارات السلام في الاقليم، والتطبيع مع الدول العربية، فإنّ القطاع المصرفي في إسرائيل سيكون السبّاق في ادارة الاموال وتحقيق الارباح".

 

هل يتفرّج لبنان؟

قبل أيّ اجراءات حكومية ومصرفية، لا بدّ من اعادة تنشيط العلاقات اللبنانية - العربية، الخليجية تحديداً، وهي مسألة قائمة سياسياً بعد انتخاب رئيس الجمهورية جوزف عون، وتأليف حكومة جديدة يُفترض انها تمضي بالتعاون. لم يعد للبنان وجهة دعم موثوق بقدراتها، الاّ الدول العربية.

وانطلاقاً من التعاطي العربي الايجابي مع مصرف لبنان المركزي في مرحلة السنتين الماضيتين تحديداً، وإعلان الرغبة الخليجية في إسناد لبنان، شرط اجراء الإصلاحات المطلوبة، يُسجل لحاكم مصرف لبنان كريم سعيد انه يرتبط بعلاقات ممتازة مع الدول الخليجية، انطلاقاً من تجربته في دولة الإمارات العربية المتحدة، وسمعته الطيبة والمُشجعة خلال ادارة أعمال مصرفية ومالية فيها، وهو ما يفيد القطاع المصرفي الرسمي والخاص في لبنان.

وبعيداً عن الخطاب الشعبوي، او مصالح متمولين يديرون جمعيات لأهداف ومكاسب مالية، ورجال أعمال استثمروا في "يوروبوندز"، هل ستمضي الحكومة والمجلس النيابي بحل ازمة القطاع المصرفي عبر خطة متكاملة، هي من مسؤولياتها، ليبدأ بعدها مشوار اعادة الثقة بالقطاع المصرفي اللبناني؟ ومتى؟ انه التحدي الاول، الذي يعزّز دور المصرف المركزي في مواجهة باقي التحديات بنجاح.