المصدر: تلفزيون سوريا
الكاتب: جاد يتيم
الخميس 22 كانون الثاني 2026 11:17:31
شكّل اغتيال نصر الله في لبنان، وسقوط بشار الأسد في سوريا، وضرب النظام الإيراني في عقر داره والقضاء على كلٍّ من مشروعه النووي وقيادات الحرس الثوري، مضافًا إلى ذلك وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تحولًا استراتيجيًا هائلًا في المنطقة. تغيّرت، نتيجة لذلك، كل الأسس التي قامت عليها السياسات الإقليمية والدولية في المنطقة، والتي أنتجت حسابات وقياسات لم تعد صالحة للعصر الجديد. ومن غير المفهوم أن يصيب العمى والقصور في استيعاب وفهم التغيرات من يمسك بمصير جماعة، وموجود في صلب القيادة، أي تتوافر لديه معطيات ومعلومات واضحة تمكّنه من رصد التحولات، فلا يتغير، ويختار الانتحار لحزبه وجماعته.
تستحضرني هنا نظرية داروين: "البقاء للأقوى (الأصلح)"، وبتعبير أدق "البقاء للأكثر ملاءمة" (Survival of the fittest)، ومدى انطباقها على بعض القوى في المنطقة، التي ظلّت مهيمنة لوقت طويل قبل أن يتجاوزها الزمن والتحولات. وهي قوى يمثّل كلٌّ منها الحزب "الحاكم" في جماعته، وتحديدًا أتحدث هنا عن: "حزب الله" و"قسد" وحالة الشيخ الهجري في السويداء، ممثَّلة عسكريًا بـ"قوات الحرس الوطني"، وجلّها من عناصر النظام السابق الذين نكّلوا بأهل السويداء وربما شاركوا في اغتيال الشيخ وحيد البلعوس.
تغيّرت المنطقة والسياسات، وانتهى فعليًا كل مشروع حلف الأقليات الذي روّج له المحور الإيراني، وبتقاطع مع المصالح الإسرائيلية التي تسعى للتفتيت ومنع قيام دول وطنية قوية. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب كان واضحًا وصريحًا وحاسمًا في الانحياز لتحالفات استراتيجية مع حلفاء استراتيجيين دولتيين: تركيا والسعودية في سوريا، والحكم السوري الجديد بقيادة الشرع بديلًا عن كل القوى والكيانات التي تأسست لملء الفراغ الذي نشأ عن ضعف سلطة الأسد وتلاشيها. أمّا اليوم، فلم يعد من مكان للبديل بوجود الأصيل، أي نظام الشرع في سوريا، الذي بات واحدًا من أسس النظام الإقليمي الجديد الذي ترسمه الولايات المتحدة.
توالت الإشارات إلى هذا التحالف العميق والتغيير الجذري: انضمام الحكم الجديد بقيادة الشرع إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، اجتماعات مباشرة بين الحكم الجديد في سوريا وإسرائيل تُوّجت باجتماع باريس الشهر الحالي وأدّت إلى اتفاقية أمنية تتضمن تبادلًا استخبارايًا وفتح آفاق التبادل الاقتصادي، والعلاقة الوثيقة التي تجمع ترامب بالشرع ودعمه بشكل لا محدود، وكذلك انحياز ترامب إلى أردوغان وتركيا. الأكثر من ذلك، أنه وعلى الرغم من المجازر والانتهاكات بحق المدنيين في كل من الساحل والسويداء، وكذلك كرنفال الحوار الوطني الاستعراضي، وعملية انتخابية لم تنتج مجلس شعب حتى اللحظة، فإن كل ذلك لم يزعزع الدعم الأميركي والغربي للشرع.
كيف يمكن لصاحب قرار وقيادات مسؤولة عن جماعات وازنة مثل الكرد ألا تعتبر ما يحصل تغييرًا في موازين القوى، وتتصرف على أساسه؟
وتمامًا كالنهج الذي يصرّ حزب الله في لبنان على انتهاجه، وحالة الإنكار للبيئة التي يدّعي الدفاع عنها، وأقصد شيعة لبنان بشكل خاص، أظهر الحزب الحاكم للكرد في سوريا قصورًا في التكيف مع الوقائع الجديدة والتحولات الكبرى، وهذا يعني الذهاب نحو انتحار جماعي. في الحالتين، من حق الكرد – كما شيعة لبنان – أن يحاسبوا من أخذهم إلى هزيمة محسومة سلفًا قد تقود إلى تهجير إضافي وتهدد وجودهم بحد ذاته.
والسؤال: هل فقد قائد قسد، الجنرال مظلوم عبدي، البوصلة، أم إنه ممنوع من التكيف مع المتغيرات؟ وهل في ظل كل ذلك لم تدرك القيادات الكردية أنها فقدت الدور، وجلّ ما تستطيع تحصيله في الواقع الراهن هو مكاسب سياسية وحماية المجتمع الذي تدّعي الدفاع عن أمنه وحياته وحراسة أحلامه؟
يختار الشيخ حكمت الهجري قيادة الدروز إلى انتحار جماعي بدلًا من تأمين مصالحهم وحمايتهم. وعلى غرار القيادات الكردية، لا يبدو أن الهجري يدرك أن الاتفاق السوري–الإسرائيلي في باريس، وكذلك التغير الجذري في مواقف الشيخ موفق طريف، يعنيان أن المغامرة انتهت، وأنه بعد الحسم العسكري في الشمال الشرقي مع الكرد سيكون ملف السويداء هو التالي. لقد تخلّت إسرائيل، مكرهة وبضغط أميركي، عن دعم الدروز في السويداء، كما تخلّى الأميركيون عن دعم الكرد شمالًا. مع ذلك، يسير الهجري بثبات وراء عناده، الذي سيورّث السوريين مزيدًا من الانشقاقات.
هذه دعوة للمصارحة، ولا يعني ذلك مطلقًا براءة الحكم السوري الجديد من عدم السعي إلى إدارة تنوّع حقيقي للمكونات السورية، أو إخلاء مسؤوليته عن التجاوزات التي أدت إلى مجازر بحق المدنيين وأجّجت الحقد الطائفي والإثني في سوريا. فالنظام الجديد يفضّل التسويات مع الخارج على الحوار مع الداخل، ويسعى لحل المشكلات الموروثة من النظام السابق عبر اتفاقات أمنية لا تتضمن بحث المشاركة السياسية، وهذا ما يعقّد الأمور. وبالتالي، فإن تأخر انخراط الكرد والدروز في مشروع الدولة الجديدة ليس مسؤوليتهم وحدهم.
لكن ما أقوله هنا، أنه مع كل هذا، فإن التحولات الكبيرة التي تشهدها المنطقة، وتجمع على استقرار سوريا من باب تثبيت حكم الشرع، لا تترك مجالًا للمغامرة، لأن ذلك لن يغيّر في المشهد بل سيريق الكثير من الدماء. هذه واقعية لطالما انتهجتها الجماعات للحفاظ على وجودها، لكن يبدو أن القيادات الحالية للقوى الحاكمة في كل من لبنان (حزب الله) وسوريا (قسد والهجري) تختار أن تقود جماعاتها إلى الانتحار، لا العبور إلى برّ الأمان للحفاظ على الوجود.
اليوم نشهد انتهاء حقبة الكيانات التحت-دولتية والميليشيات الموازية، وتستأنف الولايات المتحدة الاستراتيجية التي بدأها جورج بوش الابن في العراق عام 2003: تسليم الحكم للأكثريات. إنه عصر عودة النظام الإقليمي الدولتي بقيادة سنية، وسوريا الموحدة في قلب النظام الجديد، بل وركيزته.