المصدر: بيروت تايم
الكاتب: فرنسوا الجردي
السبت 4 نيسان 2026 20:05:50
في لحظة لبنانية دقيقة، تتداخل فيها الأزمات السياسية مع التحوّلات الإقليمية، يبرز حزب الكتائب اللبنانية مجدداً كلاعب يسعى إلى استعادة دوره التاريخي، لا من موقع المواجهة الصدامية، بل من موقع المبادرة الوطنية وبناء الجسور بين المكوّنات اللبنانية.
منذ تأسيسه، شكّل حزب الكتائب أحد أعمدة الحياة السياسية في لبنان، حيث ارتبط اسمه بالدفاع عن الكيان اللبناني، والحفاظ على فكرة الدولة، والمساهمة في إنتاج التسويات الكبرى عند المنعطفات المصيرية. هذا الإرث، الذي حمله قادة تاريخيون، يبدو أنّه يجد اليوم ترجمة جديدة في مقاربة الحزب بقيادة سامي الجميل، ولكن بأدوات تتناسب مع تعقيدات المرحلة الراهنة.
في حقبة سامي الجميّل، لا يظهر الحزب كقوة تقليدية متمسّكة بخطابها القديم، بل كقوة تحاول إعادة تعريف دورها ضمن مشهد سياسي متغيّر. فبدلاً من الانكفاء أو التصلّب، اختار الانفتاح المدروس، والسعي إلى خلق مساحات مشتركة مع مختلف الأطراف، بما فيها تلك التي شكّلت تاريخياً موقع تناقض معه.
هذا التحوّل يتجلّى في الخطاب السياسي الذي بات أقل حدّة وأكثر ميلاً إلى التهدئة، حيث يُلاحظ توجّه واضح نحو إعادة الاعتبار لفكرة الشراكة الوطنية. فالكلام الذي يصدر عن قيادة الحزب، خصوصاً في المحطات المفصلية، يعكس رغبة في تخفيف الاستقطاب، واستبداله بلغة جامعة تُعيد التذكير بأن لبنان لا يُحكم إلا بالتوافق.
وفي موازاة الخطاب، تشير بعض المعطيات إلى انفتاحات سياسية تتجاوز الداخل اللبناني، في محاولة لفهم التحوّلات الإقليمية والتكيّف معها، بما يخدم المصلحة الوطنية اللبنانية أولاً. هذا السلوك يعكس قراءة واقعية للمرحلة، حيث لم يعد ممكناً لأي طرف أن يعمل بمعزل عن محيطه أو أن يكتفي بخطاب داخلي منفصل عن الوقائع الإقليمية.
إلى جانب ذلك، يعمل الحزب على تعزيز حضوره في الملفات الاجتماعية والإنسانية، إدراكاً منه بأن السياسة في لبنان لم تعد تُقاس فقط بالمواقف، بل أيضاً بالقدرة على مواكبة هموم الناس اليومية. من هنا، يأتي الانخراط في قضايا مثل دعم النازحين، والعمل البلدي، والمبادرات الاجتماعية، كجزء من رؤية أشمل لإعادة بناء الثقة بين المواطن والعمل السياسي.
ما يميّز هذه المرحلة هو محاولة الجمع بين الثوابت والتجديد: الحفاظ على المبادئ السيادية التي شكّلت هوية الكتائب، وفي الوقت نفسه تطوير أدوات العمل السياسي لتكون أكثر مرونة وانفتاحاً. هذه المعادلة ليست سهلة، لكنها تعكس إدراكاً بأن الجمود لم يعد خياراً في ظلّ الانهيار الذي يعيشه لبنان.
في المحصلة، يبدو أنّ الكتائب في عهد سامي الجميل تحاول أن تستعيد دورها التاريخي كقوة توازن ووساطة، لا كطرف في صراع دائم. دور يقوم على مدّ الجسور بدل حرقها، وعلى حماية لبنان من الانقسامات الحادّة عبر إعادة إنتاج مساحة مشتركة بين أبنائه.
قد لا تكون هذه المقاربة كافية وحدها لإحداث تحوّل جذري، لكنها بلا شك تشكّل محاولة جدّية لإعادة إدخال السياسة اللبنانية في مسارها الطبيعي: مسار الحوار، والتسويات، وبناء الدولة. وفي بلد كلبنان، قد يكون هذا الدور، في حدّ ذاته، إنجازاً بحدوده القصوى.