اللبنانيات يجمّدن بويضاتهنّ... فهل يحملن بعد الـ 60؟

في لبنان، حيث تتغيّر ملامح المجتمع وتتبدّل أولويات الحياة بوتيرة متسارعة، لم تعد مسيرة المرأة ترتبط بالضرورة بإيقاع الساعة البيولوجية التقليدية. فمع تزايد شغف التعلّم والسعي لتمكين الذات، وبناء مسار مهني قويّ، وخوض تجربة السفر واستكشاف العالم، بات تأجيل الزواج وتكوين الأسرة أمراً واقعاً يتطلّب وقتاً وجهداً.

ولمواكبة هذا التغيّر وضمان خيار الأمومة، شهدت مراكز تجميد البويضات في لبنان ارتفاعاً "خياليّاً" في عدد المراجعات والإجراءات منذ بدء الأزمة في 2019، في ظاهرة فريدة من نوعها تؤكد أن رغبة المرأة في الحفاظ على خياراتها المستقبلية أقوى من تحدّيات انقطاع الكهرباء، التدهور الاقتصادي، وشبح الحرب المستمرّ الذي لم يستطع إيقاف هذا التوجّه المتزايد. ولكن مهلاً أيّتها السيدات، ليس كلّ من جمّدت بويضاتها ستصبح أمّاً!

بدأت تقنية تجميد البويضات بالظهور كوسيلة متاحة عالمياً في العام 2014، وتزامنت بدايتها تقريباً مع دخولها إلى لبنان. إلّا أن الإقبال الحقيقي على هذه التقنية شهد ارتفاعاً كثيفاً في البلاد مع بداية الأزمة في عامي 2019 - 2020؛ يعود السبب بشكل رئيسي إلى تأخر سنّ الزواج في لبنان، حيث بات معدّله يبلغ نحو 33 عاماً وما فوق تقريباً، وهو ما يدفع الكثير من النساء لاتّخاذ قرار تجميد الأمل ببويضاتهنّ للحفاظ على خصوبتهنّ المستقبلية.

نتوقف مع الاختصاصي في تقنيات حفظ الخصوبة، وعلاج ضعف الخصوبة والتقنيات المساعدة على الحمل، والجراحة النسائية والتوليد، الدكتور حسام عبد الرضا، على العمر الأنسب لهذه العملية، فيستهلّ حديثه قائلاً: "ترتكز الفئة العمرية التي تتجه بشكل خاص نحو تجميد البويضات في لبنان بين 33 و 36 عاماً؛ هنّ غالباً عاملات يركّزن على أهدافهنّ قبل الزواج. ويمكن القول إنّ متوسط عمر اللجوء للتجميد يبلغ 34 عاماً تقريباً، رغم وجود إقبال من جميع الفئات". ويتابع: "تكون جودة البويضات أفضل كلّما كانت السيدة أصغر سناً. ومع ذلك، لا يكون التجميد ضرورياً في بداية الثلاثينات (حوالى 30-31 عاماً) إذا كانت السيدة تخطط للزواج والإنجاب خلال السنتين المقبلتين. على النقيض، يصبح التجميد ضرورياً وحاسماً حتى في عمر مبكر إذا كانت تعاني من حالات صحية مثل بطانة الرحم المهاجرة، أو خضعت لعملية جراحية سابقة على مستوى الرحم، أو لديها انخفاض في احتياطي المبيض، أو أي مرض يسبّب تدهوراً في هذا الاحتياطي. وينطبق هذا أيضاً وبشكل خاص على مريضات السرطان اللواتي يحتجن لتجميد البويضات قبل البدء في العلاج الكيميائي الذي قد يؤثر على خصوبتهنّ".

تحفظ محلياً أو ترسل خارجاً؟

يتساءل البعض حول مصير البويضات بعد سحبها وتجميدها في لبنان، وعمّا إذا كانت ترسل إلى الخارج للحفظ ربما بسبب المخاوف المتعلّقة بأزمات محلية مثل انقطاع الكهرباء وغيرها من التحدّيات. فهل هذا ما يحدث حقاً؟ يجيب د. عبد الرضا: "أبداً، لا ترسل البويضات المستخرجة إلى الخارج؛ بل يتمّ حفظها بأمان ودقة داخل مراكز أطفال الأنابيب المنتشرة بكثرة في لبنان، والتي تعمل وفق معايير جودة عالمية، وهي مجهّزة ومؤمّنة بالكامل ضد أي طوارئ، بما في ذلك انقطاع التيار الكهربائي، حيث تتحمل كامل المسؤولية عن سلامة البويضات المخزّنة، ما يطمئن السيدات بشأن حفظ هذه الأمانة البيولوجية الثمينة في بلدها".

أمّا عن تفاصيل السحب والتجميد، فيشير إلى أنّ "العملية تبدأ مع زيارة الطبيب المختص لإجراء التقييمات والفحوصات الأساسية اللازمة، بما في ذلك تقدير احتياطي المبيض. تلي ذلك مرحلة تنشيط المبايض عبر حقن يومية تبدأ عادةً في اليوم الثاني من الدورة وتستمرّ لحوالى 10 أيام، بهدف تحفيز نموّ عدة حويصلات لتصل إلى حجم مناسب للسحب (حوالى 19 ملم). أما عملية السحب بحدّ ذاتها، فهي إجراء قصير يتمّ تحت تخدير خفيف ويستغرق من 10 إلى 15 دقيقة فحسب، وتستطيع السيدة العودة لمنزلها في اليوم نفسه إذا كانت حالتها مستقرّة. بعد السحب، تُنقل البويضات وتُحفظ داخل المركز في سائل النيتروجين عند درجة حرارة منخفضة جداً تقل عن 190 درجة مئوية"، مضيفاً: "ننصح بتجميد ما بين 10 إلى 14 بويضة لزيادة فرص الحمل، يتمّ سحبها في عملية واحدة، أو قد يتطلب إخضاع السيدة لعملية سحب أخرى للحصول على هذا العدد. وعند تجميدها، تبقى البويضات كما هي تماماً، ويمكن حفظها واستخدامها بعد سنة أو 10 سنوات أو حتى 40 سنة".

بعد التجميد... ذكر أو أنثى؟

من المفاهيم الخاطئة التي قد تنتشر هي أن عملية تجميد البويضات نفسها قد تؤثر على جنس الأجنّة الناتجة عنها في المستقبل، كأن تزيد احتمالية إنجاب الذكور أكثر من الإناث أو العكس. ولكن الحقيقة العلمية المؤكدة هي أن عملية تجميد البويضات بحدّ ذاتها هي مجرد طريقة لحفظ الخلايا التناسلية الأنثوية في حالتها البيولوجية عند التجميد، من دون أن تتدخل على الإطلاق في عملية تحديد جنس الجنين المستقبلي، يؤكد د. عبد الرضا مضيفاً أنّ "التأثير الوحيد الممكن على جنس الجنين يأتي في سياق تقنيات الإنجاب المساعدة فحسب، مثل التلقيح الصناعي (IVF) أو الحقن المجهري (ICSI)؛ وذلك إذا اختار الأهل الخضوع لإجراء طبي إضافي ومحدّد للغاية بعد عملية الإخصاب في المختبر. هذا الإجراء يعرف باسم "التشخيص الوراثي قبل الانغراس" (PGD) أو "الفحص الجيني قبل الانغراس" (PGS/PGT)، والذي يسمح بفحص التركيب الجيني للأجنّة الناتجة قبل نقلها إلى الرحم، ومن ضمن هذا الفحص يمكن تحديد جنس الجنين".

الكلفة ونسب النجاح

تتراوح كلفة عملية السحب والتجميد بين 2000 إلى 3000 دولار، وتختلف بناءً على عدة عوامل تشمل المركز الذي تمّ فيه الإجراء وظروف السيدة الفردية (كعمرها وعدد البويضات المستخرجة). تضاف إلى هذه الكلفة الأوّلية رسوم سنوية لتجديد حفظ البويضات تتراوح بين 300 و 500 دولار. مع الإشارة إلى أنّ كلفة هذه العملية لا تغطيها أي جهة صحية في لبنان، كما هو الحال في معظم دول العالم. وبعد هذا الإجراء، وعندما تقرّر السيدة الحمل، تتمّ إذابة البويضات المجمّدة بعناية لتُخصّب بعدها بتقنية الحقن المجهري باستخدام الحيوانات المنوية، لتتمّ تنمية الأجنّة الناتجة في بيئة المختبر. وفي المرحلة النهائية، تُنقل الأجنّة المختارة إلى الرحم، على أمل أن يحدث الحمل. "ولكن من الضروري جداً التنويه بأن تجميد البويضات لا يمثل ضماناً مطلقاً لتحقيق الحمل لكل سيدة في المستقبل"، يشدد د. عبد الرضا على هذه النقطة شارحاً أنّ "نسبة نجاح الحمل لكل بويضة مجمّدة عند استخدامها لاحقاً تتراوح بين 7 إلى 8 في المئة. 

رغم الوعي المتزايد بتجميد البويضات في لبنان، تبرز حاجة ملحّة لتثقيف مجتمعي أعمق حول خصوبة المرأة وتأثرها بالعمر، على غرار التوعية المبكرة في مدارس أوروبا حول أهمية عدم التأخير المفرط في الإنجاب. وينصح د. عبد الرضا عند التفكير في التجميد "باختيار التوقيت الأمثل بجدية وفهم التوقّعات بواقعية، مع العناية بالصحة النفسية"، مشدّداً على ضرورة الابتعاد عن الأمور التي تؤثر سلباً في احتياطي المبيض، مثل التدخين والأكل غير الصحي والضغط النفسي، والحرص على ممارسة الرياضة. إضافةً إلى إجراء فحوصات الخصوبة من عمر 30 واستشارة المختص عند الحاجة أو عند التفكير في تجميد البويضات".

الحمل بعد الـ 60 ممكن... ولكن!

يثير موضوع تجميد البويضات لدى النساء تساؤلاً شائعاً ومحورياً لدى الكثيرات: هل يعني هذا بالفعل أن المرأة يمكنها الحمل وإنجاب الأطفال في أي مرحلة عمرية عند استخدام هذه البويضات التي جُمّدت في عمر أصغر وأكثر خصوبة؟

من الناحية النظرية، إنّ تجميد البويضات يسمح بالحفاظ على جودتها وحيويتها لسنوات طويلة مقبلة. فالبويضة المجمّدة تظلّ فعلياً "في عمر التجميد" من حيث قدرتها على الإخصاب وتكوين جنين سليم، بغض النظر عن عمر المرأة الفعلي عند استخدامها لاحقاً. وهذا يمنح مرونة زمنية كبيرة للنساء اللواتي يرغبن في تأجيل الإنجاب لأسباب شخصية أو مهنية أو صحية.

ولكن، د. عبد الضا يقدّم رؤية أكثر واقعية لهذا الأمر. فهو يؤكد أن نجاح الحمل لا يعتمد على جودة البويضة والجنين فحسب، بل وبشكل حاسم على صحة الأم الحامل وقدرة جسدها على تحمّل أعباء الحمل والولادة.

مع التقدّم في العمر، حتى لو كانت البويضات شابة بفضل التجميد، فإن جسم المرأة نفسها يمرّ بتغيرات. تزداد احتمالية وجود أو ظهور مشاكل صحية مزمنة مثل أمراض القلب، ارتفاع ضغط الدم، السكري، ومشاكل أخرى قد تشكّل خطراً كبيراً على الأم والجنين معاً أثناء الحمل. كما تزداد مخاطر مضاعفات الحمل والولادة في الأعمار المتقدّمة. لهذا السبب، ورغم الإمكانية النظرية، ينصح الأطباء عادةً بعدم تجاوز سن معينة للحمل باستخدام هذه البويضات المجمّدة. ويشير د. عبد الرضا إلى أنّ "هذه التوصيات الطبية تتراوح غالباً ما بين 48 إلى 50 عاماً كحدّ أقصى، مع التأكيد على ضرورة تقييم شامل وشديد لحالة الأم الصحية قبل اتخاذ قرار الحمل في هذه المرحلة العمرية للتأكد من أنها بصحة جيدة وقادرة على خوض تجربة الحمل بأقل مخاطر ممكنة".

ماذا عن تجميد الحيوانات المنوية؟

تعتبر عملية تجميد الحيوانات المنوية أقل شيوعاً لدى الرجال، لأن تراجع الخصوبة لديهم، مع التقدّم في العمر، أقل حدّة مقارنةً بالمرأة؛ وغالباً ما يقتصر اللجوء إليها قبل الخضوع لعلاجات قد تؤثر سلباً على الخصوبة، مثل العلاج الكيميائي لمرضى السرطان.