المخيمات الفلسطينية وبسط سيادة الدولة!

لم يعد النقاش حول بسط سلطة الدولة اللبنانية داخل المخيمات الفلسطينية يقتصر على مسألة تسليم السلاح وحصره بيد المؤسسات الشرعية، بل بات يرتبط بمفهوم أوسع لبناء الدولة وتعزيز سيادتها، وترسيخ الحوكمة وسيادة القانون داخل هذه المخيمات. فالمطلوب لا يقتصر على حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء الوجود المسلح خارج مؤسساتها الشرعية، بل يشمل أيضاً إرساء منظومة إدارية وأمنية واجتماعية واضحة، تضمن احترام القانون وتعزّز المساءلة والشفافية، وتكرّس دور المؤسسات الرسمية في إدارة الشؤون العامة.

ومن هنا، فإن معالجة ملف المخيمات الفلسطينية في لبنان تستدعي مقاربة متكاملة تجمع بين تسليم السلاح، وتعزيز حضور الدولة، وتطوير آليات الحوكمة، بما يحفظ سيادة لبنان وأمنه واستقراره، ويصون حقوق سكان المخيمات وكرامتهم.

ولكن بدايةً، أين أصبح ملف تسليم سلاح المخيمات؟
رئيس لجنة الحوار اللبناني–الفلسطيني السفير رامز دمشقية يشير في حديث عبر Kataeb.org، إلى أن الفصائل المنضوية تحت لواء منظمة التحرير سلّمت 30 شاحنة سلاح، ما يمثّل 80% من الكمية الموجودة لديها، فيما لم تتجاوب فصائل أخرى مع مسار تسليم السلاح، مؤكداً الاستمرار حتى النهاية بعملية التسليم وضرورة حصر السلاح بيد الدولة، بناءً على الدستور واتفاق الطائف والقرارين 1559 و1701، كذلك الاتفاق الذي جرى بين الرئيسين جوزاف عون ومحمود عباس، والبيان الوزاري لحكومة الرئيس نواف سلام، والقرارات الحكومية التي اتُّخذت في 5 و7 آب 2025.

وعن مدى تأثير مسار التفاوض في غزة على تسليم السلاح الفلسطيني في لبنان، يشير دمشقية إلى خارطة الطريق الخاصة بغزة المؤرخة في 30 تموز 2026 والمكوّنة من 15 بنداً، موضحاً أن حماس قبلت بها، فيما لم تقبل بها إسرائيل. ويقول: "قد يُسهم التقدّم في هذا المسار في تسهيل تسليم السلاح من جانب حماس في لبنان، لكن حصرية السلاح هنا تستند إلى السيادة اللبنانية وقرارات الدولة، ولا يتوقف تنفيذها على نتائج التفاوض في غزة. فالمسألة تتعلّق بخضوع السلاح لسلطة الدولة، بصرف النظر عن حجمه أو الجهة التي تحمله".

ولكن ماذا عن خطة الدولة بهذا الشأن، إلى جانب انتشار آفة المخدرات والسلاح المتفلّت الذي يعرّض المخيمات ومحيطها للخطر؟
يوضح دمشقية في حديث لموقعنا أن مخيم شاتيلا، مثلاً، شهد تغيّرات كبيرة في تركيبته السكانية، وبات يضم سكاناً من جنسيات مختلفة، بما يزيد تعقيدات واقعه الاجتماعي والخدماتي والأمني.

ويلفت إلى أن شبكات المخدرات والمجموعات المسلحة تستغل البطالة والهشاشة الاجتماعية وغياب فرص العيش الكريم لاستقطاب بعض الشباب، مشدّداً على ضرورة ملاحقة هذه الشبكات وحماية السكان من أنشطتها، بالتوازي مع معالجة الظروف التي تتيح لها التوسّع.
ويضيف: "هذه التحديات تُظهر الحاجة إلى حضور مؤسسات الدولة، وإلى مقاربة تشمل الأمن والقضاء والخدمات وفرص العيش الكريم. ومن هنا تأتي أهمية الخطة الوطنية لحوكمة المخيمات الفلسطينية".

ويلفت إلى أن مسار المشاورات حول الخطة الوطنية لحوكمة المخيمات، الذي سيُطلق نهاية الشهر الجاري بدعم من رئيس الحكومة نواف سلام، يهدف إلى تطوير مشروع الخطة وتحديد أولوياته وآليات تطبيقه، من خلال التشاور مع الجهات الرسمية اللبنانية والفلسطينية، والأونروا، والفصائل، والبلديات، والهيئات النقابية والمجتمع المدني والحقوقي وممثلي سكان المخيمات.

ويؤكد أن المقترحات العملية المطروحة ستخضع للنقاش قبل استكمال الصيغة النهائية للخطة وإقرارها، بما يتيح توضيح مسؤوليات المؤسسات الرسمية والجهات المعنية، وتنظيم التنسيق بينها، ومعالجة واقع تراكم على مدى عقود. ويشمل ذلك ممارسة الأجهزة اللبنانية المختصة مسؤولياتها الأمنية والقضائية، والتعاون مع الأونروا ضمن تفويضها ومجالات عملها.

وفي هذا السياق، يشدّد دمشقية على أن الخطة تنطلق من رفض التوطين وصون الهوية الفلسطينية وحق العودة، موضحاً أن خضوع المخيمات لسلطة الدولة والقانون يترافق مع الحفاظ على خصوصية اللجوء واستمرار الرعاية الدولية. ويقول: "تنظيم أوضاع اللاجئين الفلسطينيين وتحسين ظروف حياتهم في لبنان لا يمسّان حقهم في العودة، ولا يعفيان المجتمع الدولي من مسؤولياته تجاههم".

ويوضح دمشقية أن حوكمة المخيمات لا تُختصر في الملف الأمني، فهي تشمل القضاء والإدارة والخدمات وتنظيم المسؤوليات، مشدّداً على أن حصرية السلاح ليست موضع مقايضة.

ويضيف أن تعزيز حضور الدولة يرتّب عليها مسؤوليات في حماية المخيمات وسكانها، وإنفاذ القانون وضمان الوصول إلى العدالة والخدمات، وأن سكان المخيمات معنيون بهذا المسار بوصفهم شركاء في إنجاحه ومستفيدين من الأمن والاستقرار وسيادة القانون.
كما يؤكد أن تعزيز دور الدولة لا يلغي مسؤوليات الأونروا أو التزامات المجتمع الدولي تجاه اللاجئين، بل يستدعي توضيح الأدوار وتعزيز التعاون بما يضمن استمرار الخدمات والرعاية.

ويفتح إطلاق المشاورات مرحلةً جديدة في التعامل مع ملف المخيمات الفلسطينية، يتوقّف نجاحها على توسيع المشاركة، ووضوح المسؤوليات، وتحويل المقترحات إلى إجراءات قابلة للتطبيق والمتابعة، تجمع بين بسط سلطة الدولة وتحسين ظروف الحياة داخل المخيمات وفي محيطها.