المصدر: نداء الوطن
الكاتب: نوال برّو
الأحد 19 نيسان 2026 06:53:55
عاش نازحون كثر خلال الحرب معاناة تتجاوز حدود الاحتمال. فبين فقدان الخصوصية والازدحام الشديد، وانتظار وجباتٍ قد لا تكفي أو لا تصل، والاضطرار إلى الاستحمام بالدور، تراكمت الضغوط على كاهل العائلات ذات الدخل المحدود، التي لا تتحمل تكبد استئجار مساكن منفردة، خصوصًا بعد خسارة كثيرين لأعمالهم، لتصبح حياتهم أشبه بكابوس. ورغم قسوة هذه الظروف، فإنها تبقى مؤقتة مقارنةً بما هو أخطر: إمكانية تفشّي الأمراض المعدية في بعض مراكز الإيواء، لتضيف عبئًا صحيًا يهدّد حياة النازحين بشكل مباشر.
وأمام هذا الواقع المرير، كيف يمكن للنازحين, الذين مازالوا في مراكز الإيواء، أن يحموا أنفسهم قدر الإمكان من الأمراض؟ وما هي الإجراءات المفترض الالتزام بها؟
في السياق، يؤكد الاختصاصي في طبّ الأسرة، الدكتور وسيم أرناؤوط أن الأمراض المُعدية غالباً تُسجَّل في مراكز الإيواء المكتظّة أو في منزل صغير تقيم فيه عدة عائلات. ويشرح أن أبرزها الأمراض التنفّسية، مثل التهابات اللوزتين والجيوب الأنفية والصدر. وتُعدّ الإنفلونزا "B" الأكثر شيوعًا حاليًا، إلى جانب فيروسات أخرى لا يتم دائمًا تشخيصها. ويضيف أن التهاب المعدة والأمعاء، أو ما يُعرف بالتسمم الغذائي، يُعتبر أيضًا من الأمراض المحتملة، خصوصًا في ظل استخدام مياه غير نظيفة للشرب أو الاستحمام. هذا إلى جانب أمراض مثل التهاب الكبد “A” التي قد تنتشر نتيجة التلوث وسوء النظافة، بحسب الطبيب.
وعدا عن الأمراض الجسدية, يعاني كثيرون من الأمراض الجلدية المعدية التي تشمل الفطريات، الجرب، والقوباء، والثآليل، وهي تنتشر بسهولة عبر الاحتكاك المباشر أو استخدام الأغراض الشخصية المشتركة، إضافة إلى حالات مثل القمل.
المشكلة الأساسية تكمن في الاكتظاظ، حيث يوضح د.أرناؤوط أن سوء التهوية وتقارب المسافات بين الأفراد يسرّعان انتقال العدوى. ويمتد خطر العدوى إلى الغذاء أيضاً، حيث يعتبر أن الأطعمة التي تصل من الخارج تحتاج إلى رقابة صارمة، محذرًا من أن سوء نقلها أو تخزينها في ظروف غير مناسبة قد يؤدي إلى تضرّر المستفيدين.
وحول الفئات الأكثر هشاشة والأقل مناعة، يعدّد د.أرناؤوط الأطفال، وكبار السن، ومرضى الأمراض المزمنة كالسُّكري وأمراض القلب، إضافة إلى المصابين بأمراض رئوية ومرضى السرطان. مع الإشارة إلى أن اختلاف مستويات المناعة بين الأفراد في المكان الواحد يفاقم المشكلة، حيث قد لا تظهر أعراض قوية على بعض المصابين، فتنتقل العدوى, وفقاً له.
أما فيما يتعلق بالعوامل المتصلة بضعف المناعة، يوضح د.أرناؤوط أن سوء التغذية يزيد قابلية الإصابة بالأمراض، مضيقاً أن الضغط النفسي يؤثر على المناعة. فالدراسات أظهرت ارتباط التوتر المزمن بارتفاع هرمون الكورتيزول، ما قد يزيد من خطر الإصابة بأمراض مختلفة، وفقاً له.
وبالنظر إلى الاجراءات الوقائية، يشدّد د.أرناؤوط على ضرورة تحسين النظافة العامة، وضمان تنظيف المرافق بشكل مستمر، إلى جانب تعزيز التوعية حول غسل اليدين والاستحمام. وهنا تكمن ضرورة حل أزمة نقص المياه النظيفة في كثير من المراكز. كما ينصح بتجنّب الاحتكاك بالمصابين وارتداء الكمّامات عند الحاجة, مقترحاً اعتماد العزل من خلال تخصيص مساحات منفصلة للمصابين داخل المراكز, عدا عن ضرورة مراقبة سلامة الغذاء والمياه.
وعلى المدى الطويل، يؤكد د.أرناؤوط أهمية برامج التلقيح للأطفال الذين تأخروا عن تلقي لقاحاتهم.
وفي حين ينوّه بجهود البلديات والمتطوعين والمنظمات غير الحكومية، يرى أرناؤوط أن العبء الأكبر يقع على عاتق الجهات الرسمية، وعلى رأسها وزارة الصحة.
إذاً، يواجه النازحون خطر الأمراض المعدية، في مشهدٍ مرير لم يكن في حسبانهم، خصوصاً أن كثيرين منهم لا يملكون حتى رفاهية الاستشفاء. ورغم بدء الهدنة وعودة كثيرون، إلا أن عدد كبير منهم ما زالوا في مراكز الإيواء ولذلك تبقى الوقاية خط الدفاع الأول والأخير، إلى حين انقضاء هذه المحنة على خير.