الوجود والحدود والاستثناء اللبناني

من الوهم تصور "حزب الله" يتخلى عن الدور الذي جرى تأسيسه من أجله: قتال إسرائيل ومقاومة أميركا على الطريق إلى الهدف الأساسي، وهو خدمة "ولاية الفقيه". وليس ما فعله منذ وُلد وفي يده بندقية سوى القيام بالدور. من عمليات "المقاومة الإسلامية" في الجنوب إلى الإمساك بمفتاح التحكم بلبنان حتى تنضج ظروف "لبنان الآخر". ومن فك الروابط بين الوطن الصغير وأشقائه العرب وأصدقائه الدوليين إلى الربط بالمحور الإيرني والعمل من أجل المشروع الإقليمي الإيراني. ولا معنى خارج هذا الإطار للقراءة في تحرير الجنوب والحفاظ على المقاومة بعده، الإنخراط في حرب سوريا دفاعًا عن نظام الأسد، حرب عام 2006، حرب الإسناد لغزة، حرب الإسناد لإيران، ورفض قرارات مجلس الوزراء والتفاوض مع إسرائيل ولو لاستعادة الأرض التي أعاد الجيش الإسرائيلي احتلالها بعد حروب "حزب الله" ومقاومته.

لكن اللعبة صارت أشد تعقيدًا بعد "طوفان الأقصى" وحرب إسرائيل وسقوط نظام الأسد وحرب إيران عبر اندفاع الرئيس دونالد ترامب إلى إفراغ النظام الإيراني من قوته وتكسير أجنحته في العالم العربي وإنهاء نفوذه في المنطقة بعد سنوات من سعي طهران وأذرعها لطرد أميركا وقواعدها ونفوذها من غرب آسیا. فلا الجمهورية الإسلامية التي رفعت شعار "إزالة" إسرائيل تستطيع مواجهة الطيران الحربي الإسرائيلي المسيطر على أجوائها. ولا هي، وسط شعار "الموت لأميركا" تربط مطالبها في التفاوض معها قبل الحرب وخلالها وبعد الهدنة الا بضمانات الوقف الدائم للحرب.

والسؤال، بصرف النظر عما تنتهي إليه حرب إیران، هو: ماذا يفعل نظام الملالي بشعاراته، ولو بقي؟ وهل يستطيع الحرس الثوري و "حزب الله" وبقية الأذرع المسلحة الاستمرار في استباحة لبنان والاستهانة به وتحميله ما عجزت إيران عن حمله، وما لا يريد ولا يستطيع هو حمله، وما يعمل الأشقاء العرب والأصدقاء الدوليون على إراحته منه؟ وإلى أي حد يمكن أن تصمد صورة حزب "منتصر" في بلد مدمر ومفلس تحتل إسرائيل جنوبه وتفرض النزوح على مليون شيعي من أهله وتقصف أي موقع تختاره حتى خلال وقف النار الذي فرضه ترامب؟

مهما يكن، فإن لبنان يرفض الحكم عليه بأن يبقى الاستثناء من القاعدة في العالم العربي. فما كان بعد حرب 1948 وقبل هزيمة 1967 تغيّر. كانت الدول العربية بما فيها لبنان تتصرف على أساس أن الصراع مع إسرائيل هو "صراع وجود" لا حل له إلا بإزالة "الكيان الصهيوني". بعد حرب 1967 وحتى بعد حرب 1973 صار المطلب العربي في القمم مع الرئيس جمال عبد الناصر وبعده هو "إزالة آثار العدوان".

والمبادرة العربية للسلام التي خرجت في القمة العربية في بيروت عام 2002 كرست مبدأ "الأرض مقابل السلام" واعتبرت أن "السلام هو الخيار الاستراتيجي" العربي. فالمطلوب عربيًا، كما تجسد في معاهدة كامب ديفيد ومعاهدة وادي عربة واتفاق أوسلو والمفاوضات السورية - الإسرائيلية واللبنانية - الإسرائيلية، هو استعادة الأرض حتى حدود الخامس من حزيران 1967 وقيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية والقطاع عاصمتها القدس الشرقية مقابل السلام الكامل والتطبيع مع إسرائيل. ومعنى ذلك هو التسليم بأن الصراع العربي - الإسرائيلي صار "صراع حدود".

هناك بالطبع منظمات وأحزاب رفضت التغيير وأصرت على أن الصراع لا يزال "صراع وجود". هذا ما آمنت به "حماس" وبدأت تنفيذه من غزة، فكانت النتيجة بعد "طوفان الأقصى" تدمير القطاع واقتراب نتنياهو من ضم الضفة الغربية. أما الجمهورية الإسلامية، فإنها أمسكت بقاعدة "صراع وجود"، لكنها في التنفيذ اكتفت بقتال "حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي" لإسرائيل من غزة ولبنان. وليست حرب غزة ولبنان وإیران سوى خطوة لإنهاء "الاستثناء" في غزة ولبنان، وسط إصرار نتنياهو واليمين المتشدد على إنهاء حتى قاعدة "صراع حدود".

وما يفعله لبنان هو العودة إلى صراع الحدود للتوصل إلى تسوية سياسية، بعد عقود من صراع الوجود المفروض عليه بقوة "حزب الله" بقيادة إيران. ولا مهرب من التحولات الكبيرة المتسارعة، ولا جدوى من مواجهتها التي يدفع لبنان ثمنها الباهظ.

و "ليس من الضروري أن تكون عقول القادة حيث أقدامهم" كما قال وزير الخارجية الأميركي الراحل دين أتشيسون.