اليوم الثاني من جلسات الموازنة: السقف السياسي يرتفع والسلاح في صلب النقاش

في اليوم الثاني من جلسات مناقشة مشروع موازنة عام 2026، خرج النقاش النيابي من الإطار التقني الضيّق للأرقام والجداول، ليتحوّل إلى مواجهة سياسية مباشرة حول مفهوم الدولة وحدود سلطتها، ودورها في إدارة الاقتصاد وحماية السيادة. فقد بدت الجلسة الثانية أشبه بمنصة سياسية عكست عمق الانقسام حول الأولويات الوطنية، من الإصلاح المالي والإداري، إلى الاستقرار الأمني، وصولاً إلى ملف السلاح خارج إطار الشرعية، الذي طغى على غالبية المداخلات باعتباره العقدة الأساسية أمام أي نهوض اقتصادي حقيقي.

استهلت الجلسة بكلمة عضو لجنة المال والموازنة النائب راجي السعد، الذي شنّ هجوماً قاسيا على مشروع الموازنة، معتبراً أنها لا تشبه موازنات الدول، بل أقرب إلى "موازنة دكانة" تقوم على الجباية بدل التخطيط. وانتقد اعتماد الحكومة على الضرائب بنسبة تفوق 80 في المئة من الإيرادات، في مقابل ضعف واضح في الإنفاق الاستثماري، معتبراً أن هذا النهج يعكس غياب أي رؤية اقتصادية أو اجتماعية، ويحمّل المواطنين كلفة الانهيار بدل معالجة أسبابه. وشدّد السعد على أن الإصلاح يبدأ من قطع الحساب المدقّق، وإعادة هيكلة القطاع العام، وتفعيل أجهزة الرقابة، ومحاسبة المسؤولين عن الهدر وضياع مليارات الدولارات.

أما النائب نعمة افرام، فاعتمد مقاربة أقل تصعيداً، داعياً إلى النظر إلى "النصف الملآن من الكوب"، ومشيراً إلى تحسّن حجم الموازنة مقارنة بسنوات الانهيار. إلا أنه حذّر في المقابل من ملفات اجتماعية شديدة الخطورة، لا سيما ما يتعلق بتعويضات نهاية الخدمة في القطاعين العام والخاص، معتبراً أن الدولة فشلت كرب عمل وكمدير للاستثمارات. ودعا إلى شراكة جدية مع القطاع الخاص عبر آليات BOT وPPP لاستقطاب رؤوس الأموال، مشدداً على أن الثقة تبقى الشرط الأول لأي نمو اقتصادي، ومعتبراً أن المسار الإصلاحي بطيء لكنه موجود.

غير أن المحطة السياسية الأبرز في الجلسة تمثلت في مداخلة رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل، التي شكّلت نقطة تحوّل في النقاش، وأعادت ربط الموازنة مباشرة بجوهر الأزمة الداخلية. الجميّل انطلق من سؤال أساسي: كيف يمكن إقرار موازنة تهدف إلى زيادة الإيرادات وتحريك الاقتصاد، في بلد يعيش حالة عدم استقرار دائمة، ويضم سلاحاً خارج سلطة الدولة؟ واعتبر أن أي حديث عن استثمارات، أو نمو، أو ثقة خارجية، يبقى وهماً في ظل غياب القرار السيادي الواحد. وشدّد الجميّل على أن المشكلة ليست تقنية ولا مالية فقط، بل سياسية بامتياز، داعياً إلى مصارحة اللبنانيين بحقيقة الوضع، ومؤكداً أن الاستمرار في الرهانات نفسها، سواء على المحاور الإقليمية أو على الخارج، أثبت فشله مراراً. وقال إن زيادة إيرادات الدولة لا تكون عبر "عصر" الملتزمين ضريبياً، بل عبر إدخال الاقتصاد غير الشرعي إلى كنف الدولة، ووقف التهرّب والتهريب، وبسط سلطة المؤسسات الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية. واعتبر أن الموازنة يجب أن تكون تعبيراً عن خيار وطني واضح، لا مجرد تجميع أرقام لتغطية العجز.

وفي سياق كلامه، شدّد الجميّل على أن حصر السلاح بيد الدولة ليس مطلباً سياسياً لفريق دون آخر، بل شرطاً بديهياً لبناء دولة قادرة، داعياً إلى شراكة داخلية حقيقية تطمئن جميع اللبنانيين، وتضع حداً لمنطق الدويلة داخل الدولة. ورأى أن الدولة التي لا تملك قرار الحرب والسلم، لا يمكنها أن تبني اقتصاداً منتجاً ولا أن تحمي استثمارات أو فرص عمل.

مداخلة الجميّل أثارت اعتراض النائب علي المقداد، الذي طالب بشطب تعبير "ميليشيا"، ما أدّى إلى توتر داخل القاعة. إلا أن رئيس مجلس النواب نبيه بري تدخّل سريعاً لاحتواء السجال، مؤكداً أن الجميّل "لا يقصد المقاومة"، وداعياً إلى "أخذ المعنى الطيب"، في محاولة واضحة لضبط الإيقاع ومنع انزلاق الجلسة إلى اشتباك سياسي حاد.

في السياق نفسه، رأت النائبة سينتيا زرازير أن الموازنة تعكس استمرار النهج نفسه الذي أوصل البلاد إلى الانهيار، معتبرة أنها تفتقد إلى أي مقاربة اجتماعية عادلة. وانتقدت تحميل المواطنين كلفة الأزمة من دون أي خطة واضحة لحماية الفئات الأكثر ضعفاً، مشددة على أن الإصلاح لا يمكن أن ينجح من دون دولة قوية تحتكر القرار والسيادة، وتفرض القوانين على الجميع بلا استثناء.

وأعلن النائب اديب عبد المسيح في كلمته  أنه لن يعطي الموازنة الثقة"، كاشفاً أنه "واضح أن الانتخابات لن تتم في موعدها، وسأتقدم باقتراح قانون صريح لتأجيل الانتخابات لمدة سنة كي لا نستمر بالكذب على اللبنانيين".

أما النائب إيهاب مطر، فركّز في مداخلته على البعد الاقتصادي المباشر، معتبراً أن أي موازنة لا تترافق مع استقرار سياسي وأمني تبقى حبراً على ورق. وشدّد على أن المستثمرين لا ينظرون فقط إلى الأرقام، بل إلى المناخ العام، سائلاً كيف يمكن إقناعهم بضخ أموالهم في بلد لا يملك قراراً موحداً ولا رؤية اقتصادية واضحة. ودعا مطر إلى دعم الجيش والمؤسسات الشرعية باعتبارها الركيزة الأساسية للاستقرار، وربط بين حصر السلاح وبين إعادة تحريك عجلة الاقتصاد.

خلاصة اليوم الثاني من جلسات مناقشة الموازنة، أن النقاش تجاوز الحسابات المالية ليدخل في صلب الأزمة اللبنانية الشاملة: أزمة دولة، وأزمة ثقة، وأزمة سيادة. وقد برز ملف السلاح خارج الشرعية كعنوان جامع لكل الإشكالات، فيما عكست مداخلات النواب قناعة متزايدة بأن أي موازنة، مهما بلغت دقتها، ستبقى عاجزة عن إحداث تغيير فعلي، ما لم ترفق بإصلاحات جذرية وبقرار سياسي واضح يعيد للدولة وحدها حق القرار، ويفتح الباب أمام استقرار طال انتظاره.