"انتحار" الحزب بيد الحرس: مشاغلة الدفاعات الجوية المعادية

هل يدخل “الحزب” المواجهة الأميركيّة – الإيرانيّة إن حصلت؟ سؤال يتكرّر في أذهان وعلى ألسنةِ المُراقبين في لبنان والخارج. وهل فعليّاً يمتلك “الحزب” الأدوات المطلوبة لدخول مواجهة كهذه؟

 

لم يكن صادماً تصريح الأمين العامّ لـ”الحزب” الشّيخ نعيم قاسم بشأن عدم حياديّة “الحزب” في أيّ مواجهةٍ قد تندلعُ بين الولايات المُتّحدة الأميركيّة والجمهوريّة الإسلاميّة في إيران. لكنّ الصّادم في كلام قاسم هو تلويحه بالتّدخّل العسكريّ لمصلحة إيران، على الرّغم من الإنهاك العسكريّ والأمنيّ لـ”الحزبِ” بشكلٍ خاصّ ولأذرع إيران بشكلٍ عامّ.

الحرس في بيروت للإشراف على الرّدّ؟

تُؤكّد مصادر “أساس” أنّ الحرسَ الثّوريّ الإيرانيّ باتَ يُشرفُ بشكلٍ كامل على الجناح العسكريّ لـ”الحزبِ”، بما في ذلكَ ما كانَ يقومُ بهِ من قيادةٍ عسكريّة كُلٌّ من فؤاد شكر (السّيد محسن)، وإبراهيم عقيل (الحاج عبد القادر)، وأخيراً هيثم الطّبطبائيّ (أبي عليّ).

بكلامٍ آخر باتَ فريق من الحرس الثّوريّ هو المُشرف والمُقرّر عسكريّاً. كذلكَ فإنّ فريقاً من الحرسِ وصل أخيراً إلى لبنان كإجراءٍ احترازيّ لقيادة أيّ تدخّل لـ”الحزبِ” في المواجهة، وليسَ في جعبةِ مهمّاته إلّا الإشراف على ذلك.

لكنّ دخولَ “الحزبِ” لن يكونَ إلّا تحت شرطٍ واحدٍ لا ثانيَ له، وهو أن تكونَ أيّ ضربةٍ عسكريّة أميركيّة أو أميركيّة – إسرائيليّة تحتَ عنوان “المواجهةِ الكبرى”. مردّ ذلكَ إلى تقويمٍ أجراه مجلس الأمن القوميّ الإيرانيّ حولَ إخفاقات مواجهة الـ12 يوماً في حزيران الماضي، والذي توصّل إلى أنّ أحدَ أبرز الإخفاقات كانَ عدم استعمال الوكلاء لإشغال الدّفاعات الجوّيّة الإسرائيليّة والأميركيّة في المنطقة.

ماذا عن قُدرة “الحزبِ”؟

لا يزال “الحزبُ” يمتلك مئات الصّواريخ البالستيّة الدّقيقة، والتي يتركّزُ انتشارها في السّلسلتَيْن الشّرقيّة والغربيّة وبعض مناطق البقاع الشّماليّ. وهي الصّواريخ التي حاولت إسرائيل غير مرّةٍ استهدافها في الفترة الماضية، لكنّ العمقَ الذي خُزّنت فيه حال دون الوصول إليها.

كذلك حاولت إسرائيل أكثر من مرّة الوصول إلى هذه الصّواريخ عبر عمليّاتٍ خاصّة نفّذتها في المناطق المذكورة، ولم تنجح إلّا في تفجير مخزنٍ واحدٍ في جرد النّبيّ شيث في البقاع الشّرقيّ.

بالإضافةِ إلى الصّواريخ البالستيّة الموجودة، تُؤكّد مصادر “أساس” أنّ “الحزبَ” باتَ يستقدم من إيران مُحرّكات الصّواريخ فقط، ويُصنّع هو بقيّة الأجزاء في لبنان، وذلك بسبب صعوبة نقلها برّاً بعد سقوط بشّار الأسد في سوريا، وأيضاً بسبب حجمها الذي يُعدّ مكشوفاً أمنيّاً. وتبيّن في حرب الـ66 يوماً أنّ إسرائيل كانت قد تعقّبت كثيراً من هذه الصّواريخ لدى تهريبها من سوريا إلى لبنان في عهد نظام بشّار الأسد لتعودَ وتقصفها في حرب 2024.

كذلكَ رفع “الحزب” من اعتماده على الطّائرات المُسيّرة. ذلك أنّ تجميعها وتصنيعها وإطلاقها أقلّ كلفةً وتخزيناً من الصّواريخ، ويُعتبر ذلك ضمن العقيدة العسكريّة الجديدة لـ”الحزبِ” والتي قلّل بشكلٍ ملحوظٍ فيها الاعتماد على الإغراق الصّاروخي بعد فشل عقيدته الهجوميّة والصّاروخيّة في فترة ما بين حرب الإسناد واتّفاق وقف الأعمال العدائيّة.

“الحزب” مُنتحراً؟

لكنّ من النّاحية العسكريّة أيضاً يُعتبر أيّ تدخّلٍ لـ”الحزبِ” في مواجهة إيرانيّة – أميركيّة بمنزلةِ انتحارٍ تامٍّ، وذلكَ لعدّة أسباب أبرزها:

  • لم يعد لدى “الحزب” البعد الاستراتيجيّ للإمداد، الذي كان يمثّله نظام بشّار الأسد في سوريا. إذ إنّ الوريد الحيويّ من طهران إلى بيروت قد قُطِعَ بعد فرار الأسد.
  • خسرَ “الحزبُ” وجوده العسكريّ المُؤثّر في منطقة جنوب الليطاني، التي تُعتبر منطقة التّماسّ والخطّ الأوّل في المواجهةِ مع إسرائيل. إذ إنّ الجيش اللبنانيّ أكمل انتشاره في المنطقة بـ10 آلاف عسكريّ وأنشأ ما يزيدُ على 200 نقطةٍ داخل القطاع، بالإضافة إلى تنفيذه أكثر من 300 ألف مهمّة أدّت إلى مصادرة آلاف الصّواريخ ومئات آلاف الذّخائر والقذائف وعشرات المحمولات والرّاجمات. كما أغلق الجيش اللبنانيّ كلّ المعابر بين شمال وجنوب النّهر التي كانت تُستعمل لإدخال السّلاح إلى عمق الجبهة الجنوبيّة.
  • لم يستطع “الحزب” حتّى السّاعة معالجة الخرق الأمنيّ الإسرائيليّ الذي لا يزال يستهدف قيادات وعناصر “الحزب” على مُختلف الأراضي اللبنانيّة، وليسَ اغتيال الطبطبائي إلّا مثالاً أخيراً على ذلكَ.
  • يعاني الجنوبيّون وأهالي الضّاحية الجنوبيّة، وبشكلٍ أقلّ أهالي البقاعَيْن الشّرقيّ والشّماليّ، من غيابِ إعادة الإعمار. إذ بلغ عدد المهجّرين الذين خسروا منازلهم 400 ألف شخص. وإنّ تكرار سيناريو التهجير واستهداف المباني السّكنيّة سيؤدّي إلى تزايد النّقمة على السّلاح داخل البيئة الحاضنة على أعتاب الانتخابات النيابيّة المُحتملة.

لكنّ “الحزبَ” بطبيعة الحال لن يأخذ هذه العوامل بعين الاعتبار إذا ما طلبت إيران منه التدخّل واستعمال الأراضي اللبنانيّة كمنصّة لإطلاق الصواريخ والمسيّرات على إسرائيل أو أيّ أهدافٍ أخرى، ومردّ ذلك إلى الارتباط العقائديّ لـ”الحزبِ” بنظام الوليّ الفقيه في إيران. إذ يعتبر “الحزب” أنّ تنفيذ أوامر الوليّ الفقيه واجب شرعيّ لا يجوز التّلكّؤ عنه.

من هذا المنطلق يُمكن القول إنّ “الحزبَ” سيدخل المواجهة في هذه الحالة، بغضّ النّظر عن الوضع الدّاخليّ اللبنانيّ، وعن وضعه السّياسيّ والعسكريّ. ولذلك ينبغي أن تكونَ الأنظار في طهران عند المرشد علي خامنئيّ لمعرفة حقيقة الموقف، لا في حارة حريك عند الشّيخ نعيم قاسم.