المصدر: eremnews
الخميس 29 كانون الثاني 2026 17:38:19
لم يعد الحديث عن مواجهة عسكرية محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، مجرد سيناريو تحليلي أو ورقة ضغط تفاوضية؛ فمع تعثّر المسار الدبلوماسي، وتصاعد لهجة واشنطن، وتبدل طبيعة الشروط المطروحة على طهران، باتت المنطقة أمام لحظة فاصلة قد تكون الأخطر منذ عقود، لحظة يتراجع فيها منطق إدارة الصراع لمصلحة خيار الحسم.
مصادر سياسية غربية تتحدث عن أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تعد تبحث عن صفقة مرحلية مع إيران، بل عن اتفاق شامل "مكتمل الأركان"، يعيد صياغة الدور الإيراني الإقليمي ويقيد قدراتها العسكرية والنووية والصاروخية دفعة واحدة.
هذا التحول، وفق مراقبين، يضع طهران أمام خيارين أحلاهما مرّ: فإما قبول تسوية قاسية تشبه "تجرّع السم"، أو الذهاب إلى مواجهة مفتوحة لا يمكن ضبط تداعياتها.
من التفاوض إلى الإذلال السياسي
بحسب تقديرات مراكز بحث أميركية وأوروبية، فإن الشروط التي يطرحها ترامب اليوم تتجاوز سقوف التفاوض التي حكمت الأزمات السابقة مع إيران؛ فالمطلوب لم يعد تعديلًا في السلوك أو تجميدًا مؤقتًا لبعض الأنشطة، بل تنازلات بنيوية تمس جوهر المشروع الإيراني في المنطقة.
وفقًا لمراقبين، لا تكمن الخطورة في الطرح الأميركي الحالي فقط في قسوته، بل في رمزيته السياسية، ذلك أن ترامب لا يريد اتفاقًا يحفظ ماء وجه النظام الإيراني، بل يسعى إلى فرض معادلة إذعان كاملة، وهو ما تعتبره طهران تهديدًا مباشرًا لاستقرارها الداخلي.
ويضيف هؤلاء بأن التجربة الإيرانية مع العقوبات والضغوط السابقة علمت القيادة في طهران أن أي تنازل كبير أمام واشنطن قد يُترجم داخليًا على أنه هزيمة استراتيجية، بما يفتح الباب أمام تصدعات سياسية وأمنية يصعب احتواؤها.
لحظة الحسم وتآكل الردع
تُجمع تقارير بحثية صادرة عن مؤسسات مثل "راند" و"معهد واشنطن" على أن مرحلة الرسائل المتبادلة والضربات المحسوبة شارفت على نهايتها. فآليات الردع التقليدية، التي سمحت للطرفين بإدارة التوتر دون الانزلاق إلى حرب شاملة، بدأت تفقد فعاليتها مع ارتفاع منسوب المخاطرة.
في هذا السياق، يشير محللون عسكريون إلى أن واشنطن لم تعد ترى في الوقت عاملًا لصالحها، بينما تعتبر طهران أن إطالة أمد الأزمة لم تعد تقلل كلفتها، بل تزيدها. هذا التقاطع في الحسابات يخلق بيئة مثالية للانفجار، حيث يصبح الخطأ في التقدير أكثر احتمالًا من التسوية.
ويلفت المحللون إلى أن الانتقال من إدارة الصراع إلى حسمه يعني أننا أمام تغير في قواعد اللعبة، فالمواجهة المقبلة، إن وقعت، لن تكون جولة محدودة، بل اختبار شامل لتوازنات الإقليم.
إيران بين السقوط الداخلي والحرب
من زاوية إيرانية، تبدو الخيارات أكثر تعقيدًا. فقبول الشروط الأميركية، وفق مصادر مطلعة على النقاشات داخل طهران، قد يؤدي إلى اهتزاز شرعية النظام من الداخل، خاصةً في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.
تقديرات استخباراتية غربية ترى أن القيادة الإيرانية تخشى أن يؤدي أي اتفاق مذل مع واشنطن إلى تفجير صراعات داخلية بين أجنحة النظام نفسه، إضافة إلى تحفيز الشارع الغاضب بفعل العقوبات وتدهور مستوى المعيشة.
وتشير التقديرات إلى أن إيران تدرك بأن الحفاظ على النظام لا يكون فقط بتجنب الحرب، بل أيضًا بمنع الانهيار الداخلي، وأن القبول بشروط ترامب قد يحقق الهدف الأمريكي من دون إطلاق رصاصة واحدة".
الحرب كخيار أخير أم كحتمية
في المقابل، تحذر دراسات صادرة عن مراكز أبحاث إقليمية من أن الحرب إذا اندلعت، لن تكون قابلة للاحتواء جغرافيًا أو زمنيًا. فالتشابكات الإقليمية، ووجود ساحات نفوذ إيرانية متعددة، يجعلان أي مواجهة مفتوحة ذات تداعيات واسعة على أمن الطاقة والملاحة والاستقرار السياسي في الشرق الأوسط.
وتشير هذه الدراسات إلى أن واشنطن، رغم تفوقها العسكري، تدرك أن الحرب مع إيران لن تكون نزهة، لكنها في الوقت نفسه تراهن على أن كلفة المواجهة ستكون أقل من كلفة بقاء إيران على مسارها الحالي.
في هذا الإطار، يبدو أن ما يجري اليوم ليس تمهيدًا لضربة عابرة، بل لإعادة ترتيب إقليمي شامل، فاللحظة الراهنة تشبه لحظات تاريخية سبقت حروبًا كبرى، حيث فشل التفاوض لأن سقوفه أصبحت أعلى من قدرة الأطراف على التنازل.
ومع انسداد الأفق الدبلوماسي التقليدي، تتزايد الدعوات في أوساط الباحثين ومراكز الدراسات إلى البحث عن تسوية سياسية شاملة خارج الأطر المألوفة، وتسوية تعالج جوهر الصراع بدل إدارة أعراضه. غير أن تحقيق مثل هذه التسوية يبدو صعبًا في ظل انعدام الثقة، وتضارب الحسابات، وتقدم منطق القوة على منطق السياسة.