المصدر: وكالة الأنباء المركزية
الكاتب: يولا هاشم
الخميس 27 آب 2026 15:13:01
شكّلت زيارة قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي إلى دمشق، برفقة إلهام أحمد، لحظة سياسية لافتة في المشهد السوري. بخطوات واثقة، أعلن الرجل حل "قسد" والإدارة الذاتية الكردية وكافة التشكيلات العسكرية والمدنية التابعة لها، مؤكداً اندماجها الكامل في مؤسسات الدولة السورية. وأعرب عن استعداد الكرد للانضمام إلى مشروع بناء سوريا الجديدة، بعيداً عن خيار القتال والانقسام، ورافضاً استنساخ تجربة كردستان العراق.
فما أبعاد ومفاعيل هذه الخطوة على سوريا ودول الجوار؟
المحلل السياسي الدكتور خالد العزي يؤكد لـ"المركزية" أن "اتفاق اندماج قوات سوريا الديمقراطية "قسد" في مؤسسات الدولة السورية يمثل تحولًا نوعيًا في مسار الأزمة السورية، ويشكّل خطوة أساسية نحو توحيد الأراضي السورية وبسط سيادة الدولة عليها، بعد سنوات من وجود إدارات وقوى عسكرية ذات طابع ذاتي".
ويعتبر العزي أن "أهمية الاتفاق تنطلق من كونه ينهي عمليًا أحد أبرز الملفات المفتوحة في الأزمة السورية، بعدما كانت "قسد" تمثل أكبر القوى الكردية من حيث الحجم والتسليح والنفوذ"، مشيرً إلى أن "إعلان مظلوم عبدي حل "قسد" واندماجها ضمن مؤسسات الدولة يعني أن دمشق باتت أكثر قدرة على بسط سيطرتها على المناطق المعنية، ما يعزز قدرتها على التعامل مع الملفات الأمنية والسياسية داخليًا وخارجيًا".
ويشير إلى أن "الاتفاق يحقق ثلاثة أهداف رئيسية: توحيد الأراضي السورية، وإنهاء النزعات الانفصالية، وإنهاء حالة النزاع المسلح"، معتبرًا أن "إعادة تنظيم الألوية العسكرية ودمجها ضمن المؤسسة العسكرية السورية، إلى جانب إبعاد بعض الفصائل، شكّلت خطوات ضرورية لمنع قيام تشكيلات عسكرية كردية منفصلة تحمي مناطق ذات غالبية كردية".
ويؤكد العزي ان "نجاح عملية الدمج يتطلب استكمالها على المستويات الأمنية والإدارية والخدمية، من خلال إعادة مؤسسات الدولة إلى المناطق التي كانت خارج سيطرتها، واستئناف الخدمات الصحية والتعليمية والمواصلات، إضافة إلى إعادة تأهيل المناطق وعودة المهجرين، أكرادًا وعربًا، إلى منازلهم".
ويضيف بأن "الاستقرار السياسي يشكل العنصر الأساسي لإنجاح عملية الاندماج"، مشددًا على "ضرورة انخراط الأكراد في مؤسسات الدولة، ولا سيما الشرطة والقضاء والمؤسسات العسكرية والمدنية، بما يضمن مشاركتهم في الحياة السياسية والإدارية من داخل الدولة، لا خارجها".
ويلفت العزي إلى أن "من أبرز أسباب نشوء "قسد" كان المطالبة بالحقوق المدنية والثقافية للأكراد، بما فيها اللغة والثقافة وحق التجنيس، معتبرًا أن معالجة هذه الملفات من جانب الدولة السورية قطعت الطريق أمام التيارات الانفصالية التي كانت تدفع باتجاه إنشاء كيان كردي مستقل".
وفي هذا السياق، يرى العزي أن "حزب العمال الكردستاني كان جزءًا أساسيًا من هذا المسار، بعدما استقطب عناصر كردية إلى سوريا تحت عنوان الإدارة الذاتية والمشروع الانفصالي. إلا أن هذا المشروع لم يتمكن من تحقيق أهدافه، خصوصًا بعدما تغيرت المعادلات الإقليمية والدولية، ولم تعد واشنطن ترى في الفصائل الكردية الأداة الوحيدة لمحاربة تنظيم "داعش"، في ظل انخراط الدولة السورية في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب".
ويؤكد العزي أن "نجاح عملية الدمج لم يكن نتيجة عامل واحد، بل حصيلة مجموعة من الضغوط والتفاهمات السورية والتركية والأميركية والكردية والعراقية"، مشيرًا إلى "الدور الذي أداه الفريق السوري في إدارة الملف بحذر، من خلال الجمع بين القوة والترغيب، بما سمح بتفكيك المشكلة تدريجيًا من دون تفجيرها".
ويتابع: "كما يبرز دور وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الذي ساهم في الدفع باتجاه دمج "قسد"، انطلاقًا من اعتبار أن إنهاء ملفها في سوريا يمكن أن يسهل لاحقًا معالجة الملف الكردي داخل تركيا، ولا سيما في ما يتعلق بمقاتلي حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل وإمكانية عودتهم إلى تركيا في إطار تسوية سياسية وعفو محتمل".
ويشير إلى "الدور العراقي والأميركي في هذا المسار"، معتبرًا أن "واشنطن دفعت باتجاه أن يكون الأكراد جزءًا من العملية السياسية السورية، وأن تتم معالجة الخلافات من خلال الحوار والاتفاق، لا عبر السلاح"، مشيرا الى أن "الرسائل الأميركية إلى القوى الكردية في العراق تصب في الاتجاه نفسه، أي تعزيز اندماج القوى المسلحة ضمن مؤسسات الدولة".
ويعتبر أن "اجتماع هذه العوامل ساهم في الوصول إلى الاتفاق الذي أُعلن في 24 آب 2026 في قصر الشعب، وان دمج "قسد" في إطار الدولة السورية يشكل نموذجًا يمكن البناء عليه في معالجة ملفات أخرى، وفي مقدمها ملف السويداء"، مؤكدًا أن "نجاح الدولة السورية في معالجة الملف الكردي من خلال الحوار والدمج، بدل الانتقام، قد يفتح الباب أمام معالجة قضية السويداء، وإنهاء النزعات الانفصالية، وقطع الطريق أمام محاولات ربط المنطقة بإسرائيل، بما يسمح بعودة أبناء الطائفة الدرزية إلى الدولة السورية ضمن إطار سياسي ووطني جامع".
وعلى المستوى الداخلي، يشير العزي إلى أن "إدارة أحمد الشرع لملف التمثيل السياسي للأقليات تهدف إلى ضمان حضورها داخل مؤسسات الدولة، وأن تعيين شخصيات كردية ودرزية ومسيحية وعلوية من خارج الأطر التقليدية للحكم يعكس محاولة لتوسيع قاعدة التمثيل السياسي، مع الإقرار بأن العملية الديمقراطية تفرض في نهاية المطاف توازنًا بين الأكثرية والأقليات، بحيث تشارك الأخيرة في المؤسسات من خلال التوافق السياسي والتمثيل البرلماني".
أما على المستوى الإقليمي، فيرى العزي أن "اندماج "قسد" يمثل رسالة تتجاوز الحدود السورية، مفادها أن مرحلة السلاح خارج مؤسسات الدولة تتجه إلى نهايتها في الشرق الأوسط. وأن التجربة السورية قد تشكل نموذجًا لكيفية معالجة ملف القوى المسلحة من خلال دمجها في الدولة بدل الإبقاء على كيانات عسكرية مستقلة".
ويؤكد العزي ان "المنطقة تتجه تدريجيًا نحو تعزيز الدولة المركزية وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.
ففي العراق، سيكون ملف الميليشيات والحشد من الملفات الأساسية في المرحلة المقبلة، مع تنامي الضغوط باتجاه حصر السلاح بالدولة وإدماج القوى المسلحة ضمن مؤسساتها.
أما في لبنان، فإن هذا المسار سينعكس مباشرة على "حزب الله"، إذ إن الاتجاه الدولي والإقليمي يسير نحو حصر السلاح بيد الدولة، وبالتالي فإن استمرار وجود سلاح خارج مؤسسات الدولة يجعل "الحزب" جزءًا من الإشكالية الأوسع المرتبطة بإعادة ترتيب النظام الإقليمي.
وبالنسبة الى غزة، يشكّل استمرار وجود السلاح لدى الفصائل، وفي مقدمتها حركة "حماس"، أحد أبرز العوائق أمام التسويات المطروحة. ويرى أن محاولة ربط تسليم السلاح ببقاء "حماس" في غزة لن تكون كافية لتغيير الاتجاه العام نحو حصر السلاح بيد الدولة أو السلطة التي ستدير القطاع".
ويختم: "المعركة الحقيقية في المنطقة، في المرحلة المقبلة، لن تكون مرتبطة بملف محدد أو مواجهة عسكرية بعينها، بل بإعادة تشكيل النظام الإقليمي على أساس تقوية الدولة وإنهاء ظاهرة الميليشيات المسلحة.
هذا المسار يفسر أيضًا الحرص الدولي على عدم انهيار إيران أو تفككها، لأن سقوط الدولة المركزية قد يؤدي إلى انتشار قوى مسلحة ذات امتدادات عرقية وطائفية عابرة للحدود، بما ينعكس على دول الجوار.
وبالتالي، تدخل المنطقة مرحلة جديدة عنوانها الأساسي "حصر السلاح بيد الدولة"، وقد يكون اتفاق دمج "قسد" أحد أبرز المؤشرات على هذا التحول، الذي سيطال تباعًا ملفات الأكراد في تركيا، والميليشيات في العراق، و"حزب الله" في لبنان، والفصائل المسلحة في غزة، وصولًا إلى إعادة صياغة العلاقة مع إيران ضمن نظام إقليمي أكثر تركيزًا على الدولة المركزية والاستقرار".