باريس تعود من بوابة الجيش: مؤتمر لاستعادة الدور الفرنسيّ


تعود فرنسا إلى الملفّ اللّبنانيّ من بوابة الجيش، في محاولةٍ جديدة لاستعادة حيّز من الدور الذي تقلّص تدريجيًّا لمصلحة الولايات المتّحدة في إدارة الملفّ الأمنيّ والسّياسيّ، وخصوصًا في الجنوب. وفي هذا الإطار، تسلّم رئيس الجمهوريّة جوزاف عون من القائم بالأعمال الفرنسيّ في لبنان برونو بيريرا دا سيلفا، رسالة خطيّة من الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون، تتضمّن دعوة لبنان إلى المشاركة في الاجتماع التحضيريّ للمؤتمر الدوليّ لدعم القوات المسلّحة اللّبنانيّة وقوى الأمن الداخليّ، المقرّر عقده في باريس في 17 أيلول المقبل.

لكنّ الدعوة الفرنسية لا تأتي في فراغ، ولا تبدو منفصلة عن الصراع الدبلوماسيّ الدائر على شكل المرحلة المقبلة في لبنان. فالمؤتمر، في ظاهره، مخصّص لتحديد حاجات الجيش والقوى الأمنية وحشد الدعم الدولي لها، لكنّه في توقيته ووظيفته السياسية يلامس سؤالًا أكبر، هو من سيمسك بالترتيبات الأمنيّة في الجنوب مع اقتراب نهاية مهمة "اليونيفيل"، وما هو الدور الذي يمكن لفرنسا أن تحتفظ به في معادلة أصبحت واشنطن الطرف الأكثر تأثيرًا فيها؟

 

محاولة ثانية بعد تعثّر الأولى

هذه ليست حتمًا، المحاولة الفرنسيّة الأولى. ففي مطلع العام الجاري، كانت باريس قد أعلنت رسميًّا أنّ مؤتمرًا دوليًّا لدعم الجيش اللّبنانيّ وقوى الأمن الداخلي سيُعقد في الخامس من آذار، بعدما سبقت ذلك اجتماعات وتحضيرات شاركت فيها فرنسا والولايات المتحدة والسعودية. لكنّ المؤتمر لم يُعقد في موعده، وأعلنت الخارجية الفرنسية لاحقًا تأجيله.

وبحسب مصادر خاصّة بـ"المدن"، لم تكن الصعوبات يومها تقنيّة فحسب، بل ارتبطت أيضًا بالتباينات بين الدول الأساسية المعنيّة بالمؤتمر، ولا سيّما الولايات المتحدة والسعودية. وتشير المصادر إلى أنّ واشنطن لم تكن متحمّسة لمنح باريس دورًا سياسيًّا متقدّمًا في الملفّ اللبناني، فيما ارتبط الموقف السعودي بجملة من الشروط المتعلقة بطبيعة الدعم العسكري، ووجهته، والضمانات السياسية والأمنية التي سترافقه.

من هنا، فإنّ استئناف باريس المبادرة اليوم لا يعني أنّ العقبات القديمة اختفت. بل على العكس، أعادت التطورات الإقليمية ومفاوضات الجنوب طرح الأسئلة نفسها، لكن ضمن معادلة أكثر تعقيدًا.

وفي موازاة ذلك، تكشف المعلومات عن محاولة فرنسية لإحاطة المؤتمر هذه المرّة بمظلّة دولية أوسع. إذ تُعدّ فرنسا والأردن مؤتمر دعم الجيش والقوى الأمنية المقرّر عقده في باريس في 17 أيلول المقبل، على أن يشارك فيه رؤساء أركان كلّ من فرنسا والأردن والولايات المتحدة والسعودية، إلى جانب ممثّلين عن عدد من الدول الأخرى. ويأتي المؤتمر استكمالًا للجهود الأميركية التي أفضت إلى توقيع "اتفاق الإطار" بين لبنان وإسرائيل، ويهدف إلى تعزيز قدرات الجيش والقوى الأمنية بما يسمح بتكريس سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، ودعم احتكارها للسلاح، وانتشار القوى الشرعية حتى الحدود. كما يُراد للمؤتمر أن يشكّل مدخلًا لانخراط أوسع لدول أوروبية وإقليمية في استكمال الجهود الأميركية. وإذا ثبُت مستوى المشاركة المعلن، فإنّه يمنح المحاولة الفرنسية الجديدة عنصرًا افتقدته المحاولة السابقة، إذ لا تعود باريس تتحرّك منفردة، بل تسعى إلى وضع مبادرتها داخل مسار تقوده واشنطن، وهو ما قد يفسّر اختيار دعم الجيش بوصفه نقطة تقاطع يمكن أن تجمع الأميركيين والسعوديين والأوروبيين، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تجاوز الخلافات بشأن شروط الدعم، أو طبيعة الدور الفرنسي في ترتيبات الجنوب والمرحلة التي ستلي "اليونيفيل".
 

الجيش مدخلٌ فرنسي إلى الجنوب

تقول مصادر "المدن" إنّ فرنسا تحاول استخدام ملفّ دعم الجيش لاستعادة موقع تراجع في الأشهر الماضية، بعدما أصبحت الولايات المتحدة صاحبة الدور الأبرز في المفاوضات المرتبطة بالجنوب، فيما تقلّص هامش الحركة الفرنسية في إدارة التسويات المباشرة.

وهنا تكتسب المؤسسة العسكرية أهمية استثنائية بالنسبة إلى باريس. فالجيش لم يعد، في الحسابات الدولية، مجرّد مؤسسة تحتاج إلى تمويل وتسليح، بل أصبح الركيزة التي ستُبنى عليها أي صيغة مستقبلية لتوسيع سلطة الدولة وحصر السلاح وتثبيت الأمن بعد الانسحاب الإسرائيلي.

وهذا تحديدًا ما تقوله فرنسا علنًا. فقد حدّدت الخارجية الفرنسية حاجات الجيش والقوى الأمنية بالمعدّات، واللوجستيات، والحركة، والتدريب والدعم التقني، وربطت تعزيز هذه القدرات بتنفيذ خطة استعادة احتكار الدولة للسلاح والاستعداد لمرحلة ما بعد "اليونيفيل".

لكن دعم الجيش، بهذا المعنى، يصبح ملفًّا سياسيًّا بقدر ما هو عسكري. فالدولة التي تساهم في تجهيز الجيش وتأهيله للمرحلة المقبلة ستملك، بطبيعة الحال، موقعًا داخل هندسة تلك المرحلة.

 

ما بعد "اليونيفيل"

وتزداد أهمية التحرّك الفرنسي مع اقتراب نهاية الولاية الأخيرة لـ"اليونيفيل"، التي مُدّدت حتى 31 كانون الأول 2026، على أن تتبعها مرحلة انسحاب منظّم.

باريس تدرك أنّ نهاية المهمة الدولية ستترك فراغًا سياسيًّا وأمنيًّا كبيرًا إذا لم تُبنَ قبل ذلك صيغة بديلة. لذلك، بدأت مبكرًا بعرض خدماتها للمشاركة في المرحلة التالية. وفي تموز الماضي، أعلنت الخارجية الفرنسية استعداد باريس وشركائها الأوروبيين للمساهمة في التحقّق من تنفيذ الاتفاق بين لبنان وإسرائيل، بما يشمل انسحاب القوات الإسرائيلية وتطبيق الترتيبات المتعلقة بالسلاح، وهو مسار قالت فرنسا إنّه سيتجاوز زمنيًّا نهاية مهمة "اليونيفيل".

كما سبق لباريس أن أبدت استعدادًا لمواصلة حضورها في لبنان ضمن قوّة أو صيغة أخرى، شرط طلب السلطات اللبنانية ذلك ووضع إطار قانوني وسياسي واضح للمهمة الجديدة.

من هنا، يصعب فصل مؤتمر دعم الجيش عن النقاش الأوسع بشأن شكل القوة أو الآلية التي ستملأ الفراغ جنوبًا. فالمؤتمر يمنح فرنسا فرصة لإعادة تثبيت نفسها كطرف لا يمكن تجاوزه عند الانتقال من "اليونيفيل" إلى أي ترتيبات بديلة.

 

أين واشنطن والرياض؟

لكنّ النجاح الفرنسي يبقى مشروطًا بما هو أبعد من قدرة باريس على جمع المانحين. فبحسب مصادر "المدن"، السؤال الأساسي هو ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدّة لإعطاء فرنسا الهامش السياسي الذي تحتاج إليه لإنجاح المؤتمر وتحويله إلى مسار مستدام، لا إلى اجتماع آخر يعلن تعهّدات لا تتبعها ترتيبات عملية.

والسؤال نفسه ينسحب على السعودية. فالدعم السعودي، سياسيًّا وماليًّا، قادر على منح المؤتمر وزنًا عربيًّا ودوليًّا إضافيًّا، لكنّ الرياض، وفق المصادر، لم تتخلَّ عن شروطها المرتبطة بطبيعة المسار السياسي والأمني الذي سيواكب أي دعم للمؤسسة العسكرية.

أما إسرائيل، فلا تبدو مستعدّة لمنح فرنسا مكسبًا مجانيًّا في لبنان. فالترتيبات التي تُبحث اليوم في الجنوب ترتبط مباشرة بانسحابها، وانتشار الجيش اللبناني، والتحقق من حصر السلاح، وهي ملفات تفضّل تل أبيب إدارة تفاصيلها ضمن تفاهمات تحظى بثقل أميركي مباشر، لا عبر مبادرات فرنسية مستقلة.

 

باريس في "الوقت الضائع"

لهذا تصف مصادر "المدن" الحركة الفرنسية بأنّها محاولة للعمل في "الوقت الضائع"، قبل أن تُحسم طبيعة النظام الأمني الجديد في الجنوب ويتكرّس توزيع الأدوار الدولية داخله.

وباريس معها أوراق. فهي عضو دائم في مجلس الأمن، ولها حضور عسكري طويل في "اليونيفيل"، وعلاقة تاريخيّة بالمؤسّسة العسكريّة اللّبنانيّة، كما قدّمت خلال الأشهر الماضية مساعدات مباشرة للجيش، بينها مركبات عسكرية مدرّعة. لكنّ امتلاك الأوراق شيء، والقدرة على تحويلها إلى نفوذ تفاوضي شيء آخر.

بذلك، يصبح اجتماع 17 أيلول اختبارًا للدور الفرنسي قبل أن يكون مجرّد اجتماع تحضيري لدعم الجيش. فإذا نجحت باريس في استقطاب واشنطن والرياض وشركاء دوليين أساسيين، وربطت الدعم العسكري بتصوّر واضح لمرحلة ما بعد "اليونيفيل"، يمكن أن تستعيد جزءًا من الموقع الذي فقدته.

أما إذا بقيت التباينات الدولية على حالها، فقد ينتهي المؤتمر إلى جولة جديدة من التعهّدات، فيما تُرسم ترتيبات الجنوب في مكان آخر. وفي الحالتين، سيكشف الاجتماع سريعًا ما إذا كانت فرنسا تعود فعلًا إلى طاولة القرار اللبناني، أم أنّها تحاول فقط حجز كرسيٍّ لها.