بالخرائط: نقاط المواجهة وخطوط التوغل الإسرائيلي

المشهد الميدانيّ اليوم يختصر بثلاث حقائق، " محاولة تثبيت غربًا، معركة المدن محتدمة في الوسط، أما الضغط الأعمق فهو شرقًا". فإسرائيل تواصل ترجمة هدفها المعلن بإنشاء "حزامٍ عازل" شمال الحدود، لكنّ التنفيذ على الأرض لا يجري بخطٍّ مستقيمٍ واحد، بل عبر أشرطةٍ ناريّةٍ وهندسيّةٍ متوازية، تتقدّم فيها القوّات حيث يتوافر الغطاء الجويّ والهندسيّ، وتتباطأ حيث ينتقل الاشتباك إلى قتال اقترابٍ داخل بلداتٍ لها كثافتها الرمزيّة والعسكريّة، وفي مقدّمها بنت جبيل والخيام.

الحدث الأبرز سياسيًّا وعسكريًّا هو ظهور رئيس الأركان الإسرائيليّ إيال زامير قرب بنت جبيل معلنًا أنّ الجيش "يعمّق" المناورات البرّية ويواصل ضرب "حزب الله"، بما يشي بأنّ معركة المدينة باتت في صلب القرار العملانيّ الإسرائيليّ، لا في هامشه. وفي موازاة هذا الخطاب، ظلّت تصريحات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تظهر هدفًا أكثر براغماتيةً، وهو "تنظيف" شريطٍ يمتدّ 5 إلى 10 كيلومترات شمال الحدود لإبعاد خطر الصواريخ المضادّة للدروع والنيران المباشرة عن المستوطنات الشمالية. 

 

المحور الغربيّ

على المحور الغربيّ، لم يكن اليوم يوم معركة اقتحامٍ كبرى بقدر ما كان يوم تثبيتٍ ساحليّ. التقارير أشارت إلى استمرار تعزيز المواقع الإسرائيلية على الساحل، وإلى تصاعد التدمير في الناقورة خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية، بالتوازي مع ضرب جسر القاسميّة. كما أفادت معلومات متقاطعة بأنّ الجيش الإسرائيليّ كان قد أحكم السيطرة على البيّاضة وشمع، وأنّ المروحيات أطلقت نيرانًا رشّاشةً على الخطّ الساحليّ بين بيوت السيّاد والمنصوري والبيّاضة ورأس العين. المعنى العملانيّ لهذا كلّه أنّ الغرب بات جناح حمايةٍ وتحصينٍ وتثبيتٍ، أكثر ممّا هو رأس اندفاعةٍ جديدةٍ اليوم.

المحور الأوسط

أمّا المحور الأوسط، فهو عنوان يوم 10 نيسان بلا منازع. هنا بدأت معركة بنت جبيل بصورةٍ علنيّةٍ وواضحة، لا على الأطراف فقط، بل داخل المدينة ووسطها. التقارير تحدّثت عن وصول القوّات الإسرائيلية إلى بنت جبيل نفسها، وعن قتالٍ عنيفٍ في المركز، فيما كانت المدينة تطوّق تدريجيًّا من أكثر من جهة، من عيناثا شمالًا، ومن مارون الراس وعيتارون جنوبًا وجنوب شرق، ومن حانين ورشاف وأطراف دبل وعين إبل غربًا. هذا يعني أنّ الجيش الإسرائيليّ لم يعد يضغط على العقدة من الخارج فحسب، بل انتقل إلى اختبارها حضريًّا، ورمزيًّا، وسياسيًّا، لأنّ بنت جبيل ليست مجرّد بلدةٍ حدوديّة، بل عقدة معنًى في سرديّة الجنوب كلّه..

المحور الشرقيّ

في المحور الشرقيّ، بقيت الخيام مركز الثقل الأكثر خشونة. التقارير أفادت بأنّ آليّاتٍ إسرائيليةً حاولت التقدّم نحو الأحياء الشماليّة والغربيّة تحت نارٍ كثيفة، فيما تواصل تثبيت المواقع في الخيام ومحيطها ضمن نطاق مرجعيون. والأهمّ أنّ خرائط اليوم رجّحت بلوغ القوّات المتوغّلة دير سريان، مع مؤشّراتٍ إلى وصولها نحو مجرى الليطاني أو تخومه في هذا القطاع، ما يجعل الشرق، حتّى الآن، المحور الأبعد اختراقًا. وإذا ثبت هذا التقدّم في الأيام التالية، فسيعني أنّ إسرائيل تقترب من تحويل الضغط الشرقيّ إلى رافعةٍ لإعادة تشكيل الجبهة كلّها، لا مجرّد اختراقٍ موضعيّ.

الخلاصة الميدانيّة لخريطة اليوم أنّ الجيش الإسرائيليّ وصل، غربًا، إلى شريطٍ ساحليٍّ متقدّمٍ ومثبّتٍ بين الناقورة والبيّاضة وشمع، ووسطًا إلى بنت جبيل نفسها، وشرقًا إلى الخيام ومحيطها مع دفعٍ باتجاه دير سريان وتخوم الليطاني. ولا توجد، حتّى الآن، معطياتٌ موثّقةٌ اليوم عن سيطرةٍ إسرائيليةٍ كاملةٍ ومستقرّةٍ على مراكز مدنيّةٍ أعمق من ذلك، لكنّ الاتجاه العامّ واضح، توسيع منطقة العزل، ثمّ ربطها بمحاور ناريّةٍ وهندسيّةٍ متصلة، بدل الاكتفاء بغاراتٍ وعمليات توغّلٍ قصيرة.

اشتباكات اليوم كانت من ثلاثة مستويات. المستوى الأوّل، قتال اقترابٍ داخل بنت جبيل وعلى مداخلها، مع حديثٍ عن اشتباكاتٍ في الوسط والسوق، وعن هجماتٍ أعلن "حزب الله" أنّه نفّذها داخل المدينة ومحيط "مجمّع موسى عبّاس"، وكذلك على تجمّعاتٍ إسرائيليةٍ في رشاف وعلى الأطراف. المستوى الثاني، قتال آليّاتٍ وتقدّمٍ في الخيام، حيث قال الحزب إنّه استهدف قوّاتٍ إسرائيليةً في وطى الخيام، وفي محيط معتقل الخيام السابق، وعند المبنى البلديّ. أمّا المستوى الثالث، فهو تبادل نارٍ بعيد المدى، إذ قالت إسرائيل إنّ صافرات الإنذار دوّيت حتّى تل أبيب بعد إطلاق صاروخٍ من لبنان، وإنّها ردّت بضرب نحو 10 منصّات إطلاق، بينما أعلن "حزب الله" رشقاتٍ صاروخيّةً وطائراتٍ مسيّرةً ضدّ أهدافٍ وقواعدٍ إسرائيلية.

آخر التّطوّرات الميدانيّة

أبرز تطوّرٍ اليوم خارج خطوط الاشتباك البرّيّ المباشر كان الضربات الإسرائيلية العنيفة على النبطيّة، ولا سيّما السراي، حيث أفيد باستشهاد 19 شخصًا، بينهم 12 من عناصر الأمن، إضافةً إلى مدنيّين، مع نحو 15 جريحًا. وفي الوقت نفسه، قال الجيش الإسرائيليّ إنّه "فكّك" منذ 2 آذار أكثر من 4300 بنيةٍ تحتيّةٍ لـ"حزب الله" وقتل أكثر من 1400 مقاتل. أمّا الحصيلة الأوسع التي نقلتها رويترز اليوم، فتقول إنّ 1888 شخصًا قتلوا في لبنان منذ توسيع الحملة، في وقتٍ تتقدّم فيه الاتصالات السياسيّة نحو اجتماعٍ متوقّع في واشنطن الأسبوع المقبل..

وهكذا، فإنّ خريطة اليوم تقول إنّ إسرائيل لم تنجز بعد حسمًا برّيًّا شاملًا في جنوب لبنان، لكنّها نجحت في تحويل التوغّل إلى أحزمةٍ متّصلةٍ نسبيًّا، من الساحل إلى بنت جبيل فالخيام. وفي المقابل، لم يوقف "حزب الله" هذا التقدّم، لكنّه لا يزال يفرض عليه كلفة اقتحامٍ بالنار، ويمنع تحوّل التوغّل إلى نزهةٍ عسكريّةٍ أو احتلالٍ هادئٍ منخفض الكلفة.