المصدر: المدن
الثلاثاء 24 آذار 2026 21:20:30
لم يعد مشهد اليوم امتدادًا حرفيًّا ليوم أمس، بل شهد توسّعًا ميدانيًّا أوضح في التوغّل البرّيّ الإسرائيليّ، مع انتقال القوّات من نمط الضغط الحدوديّ المحدود إلى نمط توسيع رؤوس الاقتحام، وفتح نقاط تماسّ جديدة، ورفع السقف السياسيّ والعسكريّ دفعةً واحدة. في الميدان، ترافقت محاولات التقدّم داخل بلداتٍ حدوديّة وعلى تخوم بلداتٍ أُخرى مع قصفٍ كثيفٍ، وتفجير منازل، وضرباتٍ على الجسور والطرق الرابطة بين جنوب اللّيطاني وشماله. وفي السياسة، صار الهدف المُعلن هو الإمساك بالحيّز الواقع حتّى نهر اللّيطاني، أي تحويل التوغّل من عمليّات اقتحامٍ متدرّجة إلى مشروع "منطقة أمنيّة" بالنّار والهدم والعزل.
المحور الشّرقيّ: فتح الخاصرة الأعلى
أبرز ما استجدّ اليوم على المحور الشّرقيّ أنّ التوغّل لم يعُد محصورًا في ضغطٍ ناريٍّ على الحافّة، بل سجّل اقتحامًا داخل بلدة حلتا في قضاء حاصبيا فجرًا، مع تفتيش منازل، وقتل فتى، وخطف شابٍّ محلّيّ، في إشارةٍ إلى محاولة نقل الضغط إلى الخاصرة الشّرقيّة الأعلى، لا إلى الاكتفاء بخطّ مرجعيون، الخيام، الطّيبة. هذا التطوّر مهمّ لأنّ حلتا تقع في قطاع العرقوب، وتفتح ممرًّا باتّجاه حاصبيا وتلال شبعا وكفرشوبا، أي إنّ إسرائيل تختبر هنا مسارًا يُربك الدّفاعات، ويُوزّع جهد حزب الله على رقعةٍ أوسع من الجبهة التقليديّة. وفي الموازاة، استمرّ الضغط على العديسة وكفركلا، مع بقاء هذين المحورين ضمن خطوط اشتباكٍ متكرّرة ومحاولات تقدّمٍ متقطّعة.
ومن حيث المسافة، فإنّ التوغّل في حلتا يبدو، وفق المعطيات العلنيّة المتاحة حتّى الآن، توغّلًا داخل البلدة الحدوديّة نفسها، أي بعمقٍ محدودٍ يلامس الشريط الحدوديّ المباشر أو يتجاوزه بمئات الأمتار إلى نحو كيلومتر واحد داخل النسيج السكنيّ، لا أكثر ممّا هو مُثبت علنًا. أمّا في العديسة وكفركلا، فالصورة ما زالت صورة محاولات ضغطٍ وتقدّمٍ موضعيّ على الحافة الحدوديّة أكثر منها صورة اختراقٍ عميقٍ ثابت. لذلك، فالأدقّ في هذا المحور هو القول إنّ إسرائيل فتحت اليوم "محور إرباكٍ شرقيٍّ" أكثر من فتحها "محور اندفاعةٍ عميقة".
المحور الأوسط: الخيام والطّيبة والقوزح
المحور الأوسط بقي القلب الحقيقيّ للمعركة، لكنّ تطوّره اليوم كان في اتّساع رقعة الاشتباك لا في نقطةٍ واحدة فقط. في الخيام، استمرّ القتال على الجبهتين الجنوبيّة الشّرقيّة والشّماليّة الشّرقيّة، مع قصفٍ متواصل وتفجيراتٍ استهدفت منازل داخل المدينة، فيما استمرّ استهداف التجمّعات العسكريّة الإسرائيليّة شرق المدينة. هذا يعني أنّ الخيام ما زالت ساحة اشتباكٍ مفتوحةً داخل المجال العمرانيّ أو على حوافه المباشرة، وليست مجرّد بلدةٍ تتعرّض لقصفٍ من الخارج. والخيام هي حتّى الآن أعمق نقطة اشتباكٍ مؤكّدةٍ ومفتوحةٍ علنًا على هذا المستوى، لأنّها تقع على مسافة تقارب 5 إلى 6 كيلومترات من الحدود، ما يجعلها مقياسًا فعليًّا لعمق التوغّل الّذي أُنجز ميدانيًّا، لا للهدف المُعلن فقط..
وفي الطّيبة، ظهر أنّ المعركة لم تهدأ، بل استمرّت اليوم مع إعلان استهداف جرّافةٍ عسكريّةٍ من نوع "D9" بصاروخٍ موجّه، بالتوازي مع استمرار القصف المدفعيّ والجويّ على البلدة ووادي السّلوقي. دلالة ذلك أنّ هذا المحور ليس تحت سيطرةٍ إسرائيليّةٍ مريحة، بل ما زال محور اقتحامٍ قيد المنازعة المباشرة. وتكتسب الطّيبة أهمّيّةً خاصّة لأنّها من أقرب النقاط الحدوديّة إلى فضاء اللّيطاني في هذا القطاع، ولأنّ أيّ تقدّمٍ ثابتٍ منها يفتح نظريًّا طريقًا إلى عزل مرجعيون وجنوب النهر عن عمقهما الخلفيّ. لكنّ ما هو مُثبت اليوم ليس بلوغ اللّيطاني من هذا المحور، بل استمرار محاولة شقّ الممرّ نحوه تحت النار..
أمّا الجديد المكمّل في هذا المحور، فهو دخول قوزح بقوّةٍ أكبر إلى المشهد. فقد سُجّل فجرًا تقدّمٌ لقوّاتٍ إسرائيليّة نحو البلدة تحت غطاءٍ كثيف من القصف والنيران، مع استهداف تلك التحرّكات بالصواريخ. وبذلك لم يعد المحور الأوسط محصورًا بالخيام والطّيبة فقط، بل صار حزامًا قتاليًّا ممتدًّا من شرق مرجعيون إلى القطاع الأوسط في بنت جبيل، بما يشمل أيضًا مارون الرّأس وما حولها. وهذا التمدّد الأفقيّ مهمّ جدًّا، لأنّه يوحي بأنّ الهدف الإسرائيليّ ليس الاستيلاء على عقدةٍ واحدة، بل تشتيت الدفاعات، وخلق عدّة منافذ متزامنة يمكن أن تتكامل لاحقًا في حال تقرّر دفع القوّات شمالًا.
المحور الغربيّ: ضغطُ الالتفاف وممرُّ "اليونيفيل"
في المحور الغربيّ، لم يتراجع الاشتباك، لكنّ طبيعته اليوم بدت أقرب إلى تثبيت الضغط الناريّ والالتفاف الساحليّ منه إلى تسجيل قفزةٍ برّيّةٍ نوعيّةٍ جديدة كالّتي سُجّلت في حلتا. استمرّ القصف المدفعيّ والفوسفوريّ على أطراف النّاقورة وأحيائها، وبقيت البلدة على تماسٍّ مباشر مع المعركة، فيما كانت إسرائيل تواصل العمل على جعل القطاع الساحليّ مساحةً طاردةً للسكان ومكشوفةً ناريًّا، تمهيدًا لربط الساحل الجنوبيّ بالضغط على البلدات الحدوديّة في الداخل الغربيّ. صورة هذا المحور، حتّى مساء اليوم، لا تُظهر تثبيت اختراقٍ عميقٍ جديد داخل النّاقورة بقدر ما تُظهر إبقاءها تحت نارٍ كثيفةٍ وعلى تماسٍّ مفتوح، مع الإبقاء على إمكان التقدّم منها أو من محيطها قائمًا.
وعمليًّا، فإنّ هذا المحور يُستخدم لأداء ثلاثة أدوار معًا، عزل الشريط الساحليّ، الضغط على الممرّات الواقعة قرب مواقع "اليونيفيل"، ومنع تحويل صور وبلدات الساحل الخلفيّة إلى رئة إسنادٍ ميدانيّ. لذلك، فحدود التوغّل هنا ما زالت، بحسب ما أمكن تثبيته علنًا اليوم، أقرب إلى تماسٍّ مباشرٍ على الحافة الغربيّة وإلى توغّلاتٍ موضعيّةٍ في تخوم النّاقورة، من دون وجود تأكيدٍ علنيٍّ متين على عمقٍ برّيٍّ جديد يتجاوز ما كان قائمًا في اليومين الماضيين.
ماذا يمكن تثبيته فعلًا؟
في ما يخصّ المسافات، ثمّة فرقٌ ضروريّ بين "الهدف المُعلن" و"العمق المُثبت". الهدف الإسرائيليّ المُعلن صار واضحًا، الوصول إلى نهر اللّيطاني والسيطرة على الجسور والبنية التحتيّة الواقعة جنوبه، واللّيطاني يلتقي البحر على بُعد نحو 30 كيلومترًا من الحدود، أي أنّ السقف السياسيّ الإسرائيليّ بات يتحدّث عن شريطٍ واسعٍ يوازي نحو عُشر مساحة لبنان. لكنّ هذا لا يعني أنّ التوغّل البرّيّ الفعليّ بلغ هذا العمق اليوم.
أمّا العمق المُثبت ميدانيًّا حتّى 24 آذار 2026، فيمكن تلخيصه على النحو الآتي، في المحور الشّرقيّ، توغّلٌ داخل حلتا الحدوديّة نفسها، أي عمقٌ محدودٌ جدًّا ملاصقٌ للحدود، في حدود مئات الأمتار إلى نحو كيلومتر واحد داخل النسيج السكنيّ وفق ما تسمح به المعطيات العلنيّة. في المحور الأوسط، تبقى الخيام أعمق ساحة اشتباكٍ مؤكّدة، عند نحو 5 إلى 6 كيلومترات من الحدود، فيما تبقى الطّيبة وقوزح محورين قتاليّين فاعلين، لكن من دون معطياتٍ علنيّةٍ حاسمةٍ تُثبت اليوم وصولًا أبعد من الخيام. وفي المحور الغربيّ، النّاقورة ما زالت تحت تماسٍّ وقصفٍ مباشرين، لكن لا توجد مادّة علنيّة كافية لتثبيت رقمٍ أدقّ لعمقٍ جديدٍ داخلها خلال نهار اليوم.
إلى أين تتّجه المعركة؟
السيناريو الأوّل هو أن تواصل إسرائيل ما فعلته اليوم، أي توسيع الجبهة أفقيًّا، لا القفز مباشرةً إلى اندفاعةٍ عموديّةٍ واسعة نحو اللّيطاني. وهذا يعني المزيد من الاقتحامات الموضعيّة، وتفجير المنازل، وضرب الجسور، وفتح نقاط تماسّ جديدة على طول القرى الحدوديّة حتّى يتحوّل الجنوب إلى مساحةٍ مُقطّعة الأوصال، يسهل التحكّم بها بالنار والمسيّرات. هذا السيناريو هو الأكثر انسجامًا مع ما ظهر اليوم، لأنّ التوغّل اتّسع فعلًا، لكنّه لم يتحوّل بعدُ إلى اختراقٍ شاملٍ ومتّصل.
السيناريو الثّاني هو محاولة تحويل المحور الأوسط إلى محور اختراقٍ رئيسيّ، انطلاقًا من الخيام والطّيبة، لأنّ هذا القطاع يوفّر لإسرائيل أقصر الممرّات البرّيّة إلى فضاء اللّيطاني، ويتيح لها، إن نجحت، شطر الجنوب إلى قطاعاتٍ منفصلة. غير أنّ هذا السيناريو يصطدم حتّى الآن بحقيقةٍ ميدانيّةٍ واضحة، وهي أنّ الاشتباك ما زال قريبًا، عنيفًا، ومفتوحًا داخل البلدات وعلى حوافّها، وأنّ كلّ تقدّمٍ يحتاج إلى نيرانٍ كثيفةٍ وهدمٍ واسع، ما يرفع الكلفة ويُبطئ التحوّل من الاقتحام إلى التثبيت.
أمّا السيناريو الثّالث، فهو أن تستخدم إسرائيل هذا التوغّل الأوسع كأداة فرض وقائع قبل أيّ تسويةٍ سياسيّةٍ أوسع ترتبط بالحرب الإقليميّة الدائرة. عندها يصبح الهدف الفوريّ ليس فقط احتلال الأرض، بل إعادة رسم معادلة الجنوب، جغرافيًّا وسكّانيًّا وعسكريًّا، عبر منع العودة، وتدمير البنية الحدوديّة، وعزل جنوب اللّيطاني عن شماله. وهذا السيناريو يكتسب وزنًا إضافيًّا لأنّ اللغة السياسيّة الإسرائيليّة نفسها انتقلت خلال الساعات الأخيرة من قاموس "العمليّات المحدودة" إلى قاموس "الإمساك بالمنطقة" و"المنطقة الأمنيّة" و"السيطرة على الجسور".
الخلاصة أنّ جديد اليوم ليس في استمرار القتال فقط، بل في أنّ التوغّل صار أوسع جغرافيًّا وأكثر وضوحًا في نواياه. المحور الشّرقيّ سجّل اليوم اقتحام حلتا، والمحور الأوسط واصل معركة الخيام والطّيبة واتّسع إلى قوزح، والمحور الغربيّ أبقى النّاقورة تحت ضغط الالتفاف الساحليّ والنار الكثيفة. لذلك، فإنّ السؤال هو كما يلي: هل ستُحوّل إسرائيل هذا التوغّل من خطوط اقتحامٍ متفرّقة إلى شريطٍ أمنيٍّ مفروض؟