بعد 44 عاماً من "المقاومة": ما هي استراتيجية حزب الله فعلياً وهل يوجد أفق زمني لتحقيق أهدافه؟


كتب فرنسوا الجردي:

منذ أكثر من أربعة عقود، يرفع حزب الله مجموعة أهداف كبرى تتعلق بالصراع مع إسرائيل: تحرير الجنوب اللبناني، استعادة مزارع شبعا، “تحرير القدس”، استعادة القرى السبع، وحماية لبنان وحقوق المسلمين في فلسطين.

لكن، وبعد كل هذه السنوات، يحق للرأي العام اللبناني أن يطرح أسئلة بديهية ومنطقية ومشروعة: ما هي الاستراتيجية الواقعية لتحقيق هذه الأهداف؟ ما هو السقف الزمني؟ ما هي المراحل؟ وما هو الثمن الذي سيدفعه لبنان واللبنانيون؟

هذه الأسئلة ليست “خيانة” ولا “عمالة” كما يحاول البعض تصويرها، بل هي صلب أي نقاش سياسي واستراتيجي طبيعي في أي دولة تحترم شعبها وعقول مواطنيها.

بين “العقيدة” و”الاستراتيجية”

المشكلة الأساسية أن حزب الله لا يتعامل مع مشروعه بوصفه برنامجاً سياسياً قابلاً للقياس والمحاسبة، بل بوصفه “عقيدة دينية – ثورية” طويلة الأمد.

وهنا يكمن الالتباس الكبير.

فالاستراتيجية العسكرية التقليدية تقوم عادة على:
- تحديد هدف واضح وقابل للتحقيق.
- وضع مراحل زمنية.
- قياس الخسائر والأرباح.
- تقييم الإمكانيات الواقعية.
- مراجعة النتائج عند الفشل أو التعثر.

أما في حالة حزب الله، فالمشروع يبدو أقرب إلى “صراع مفتوح بلا نهاية زمنية واضحة”، لأن القضية بالنسبة له ليست فقط حدوداً لبنانية أو أراضي محتلة، بل جزء من مشروع إقليمي – عقائدي مرتبط بإيران ومحور الممانعة.

لذلك، فإن السؤال عن “متى ستتحقق الأهداف؟” غالباً لا يملك جواباً عملياً حتى داخل بيئة الحزب نفسها.

ماذا تحقق فعلياً؟

لا يمكن إنكار أن الحزب نجح في مراحل معينة بتحقيق مكاسب عسكرية وسياسية:
- انسحاب إسرائيل من معظم الجنوب عام 2000.
- بناء قوة عسكرية وتنظيمية كبيرة.
- فرض معادلات ردع معينة بعد حرب 2006.
- امتلاك نفوذ داخلي واسع في لبنان.

لكن في المقابل، هناك وقائع أخرى لا يمكن تجاهلها:
- مزارع شبعا لا تزال خارج السيطرة اللبنانية.
- القرى السبع لم تعد مطروحة عملياً ضمن أي مسار دولي واقعي.
- القدس أبعد من أي وقت مضى عن مشاريع “التحرير”.
- لبنان تعرّض لانهيارات اقتصادية ومالية وعزلة عربية ودولية متزايدة.
- الجنوب اللبناني نفسه تحول مراراً إلى ساحة دمار ونزوح وخسائر بشرية.

وهنا يبرز السؤال الجوهري:
هل الهدف هو “تحقيق نصر نهائي”، أم “إدارة صراع دائم”؟

هل توجد خطة زمنية حقيقية؟

حتى الآن، لم يقدم الحزب للبنانيين:
- خريطة طريق واضحة.
- مراحل تنفيذية محددة.
- إطاراً زمنياً واقعياً.
- تصوراً لكلفة المشروع على الدولة والمجتمع.
- شرحاً لكيفية التوفيق بين الاقتصاد والحروب المفتوحة.

والأهم، لم يشرح كيف يمكن لدولة صغيرة منهكة مثل لبنان أن تتحمل حرب استنزاف طويلة مع واحدة من أقوى القوى العسكرية والتكنولوجية في العالم.

فأي استراتيجية ناجحة تحتاج إلى:
- اقتصاد قوي.
- دولة مستقرة.
- غطاء دولي أو إقليمي متماسك.
- قدرة على تحمّل العقوبات والحصار.
- وحدة وطنية داخلية.

بينما الواقع اللبناني يقول العكس تماماً:
دولة ضعيفة، اقتصاد منهار، هجرة جماعية، انقسام داخلي حاد، وتراجع كبير في ثقة العالم بلبنان.

المشكلة: من يدفع الثمن؟

في كل الحروب الكبرى، توجد دائماً “كلفة استراتيجية”.

لكن في لبنان، يبدو أن الكلفة تُدفع غالباً من الشعب:
- تدمير بنى تحتية.
- نزوح جماعي.
- انهيار استثمارات.
- تراجع السياحة.
- هروب الرساميل.
- خسائر بشرية ونفسية هائلة.

في المقابل، لا توجد حتى الآن إجابة واضحة حول متى تنتهي هذه المواجهة، وما إذا كانت أهدافها قابلة للتحقيق أصلاً ضمن موازين القوى الحالية.

بين الواقعية والشعارات

السياسة لا تُبنى فقط على النوايا أو العواطف أو الخطابات التعبوية.

فالوقائع الدولية اليوم تشير إلى أن الصراعات تُحسم بالتوازنات الكبرى، بالاقتصاد، بالدبلوماسية، بالتكنولوجيا، وبالتحالفات الدولية، لا فقط بالسلاح التقليدي أو بحروب الاستنزاف.

ومن هنا، فإن جزءاً كبيراً من اللبنانيين بات يسأل:
هل مصلحة لبنان تكمن في البقاء داخل مشروع “الحرب المفتوحة”، أم في بناء دولة طبيعية تمتلك قرارها السيادي الكامل وتفاوض وتحمي مصالحها عبر المؤسسات الشرعية؟

السؤال الذي لم يجب عنه أحد

بعد 44 عاماً، لا يزال اللبناني يسمع الشعارات نفسها تقريباً:
“المقاومة مستمرة”، “التحرير آتٍ”، “المعركة طويلة”.

لكن ما يطلبه الناس اليوم ليس الشعارات، بل الأجوبة:
- ما هي الخطة؟
- ما هو الهدف الواقعي القابل للتحقيق؟
- كم سيستغرق الأمر؟
- وما هو الثمن النهائي الذي سيدفعه لبنان؟

فالدول لا تُدار بالعواطف وحدها، بل بالوضوح والمحاسبة والقدرة على إقناع شعبها بأن التضحيات تقود فعلاً إلى مستقبل أفضل، لا إلى حرب بلا نهاية.