الأحد 26 كانون الأول 2021

08:48

بمفردهم مع "تيك توك"... ماذا يفعل "المزيج الخطر" بعقول أبنائنا؟

المصدر: الحرة

يبدو أن كثرة مشاهدة سامانثا فريدلي، لمشاهدة مقاطع فيديو حول اضطراب الشخصية الحدية، والاضطراب ثنائي القطب، واضطراب تعدد الشخصية، على منصة "تيك توك" أثر في شخصيتها وأفكارها واعتقادها بأنها مصابة بهذه الأمراض، بحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال".

وتزخر المنصة الشهيرة بالكثير من مقاطع الفيديو من هذا النوع، مقدمة من مراهقين أو شباب، قالوا إنهم مصابون بهذه الأمراض، أو واحد منها على الأقل، يزعمون أنهم معالجون، وغالبا ما يذكرون بعض الأعراض، ويشجعون المشاهدين على إجراء تقييمهم الذاتي.

تم تشخيص فريدلي، وهي طالبة في المدرسة الثانوية بالإصابة بمشكلات مثل القلق والاكتئاب في سن العاشرة، لكن بعد مشاهدتها للعديد من هذه المقاطع على "تيك توك" أصبحت مقتنعة في أوقات مختلفة أن لديها هذه الأمراض.

يُعد اضطراب الشخصية الحدية اضطرابًا في الصحة العقلية يؤثر في طريقة تفكير المريض في نفسه، وشعوره به وبالآخرين؛ مما يؤدي إلى مشاكل في مهام الحياة اليومية. تتضمن صعوبة السيطرة على المشاعر والسلوك، واضطراب العلاقات بشكل متكرر.

ويعاني المرء في اضطراب الشخصية الحدية الخوف الشديد من الهجر أو عدم الاستقرار، وقد يجد صعوبة في تحمل الوحدة. كما قد يدفع الغضب الحاد والاندفاع والحالات المزاجية المتقلبة الآخرين إلى الابتعاد عنه على الرغم من أنه يرغب في الشعور بالحب ووجود علاقات دائمة.

وعادة ما يبدأ اضطراب الشخصية الحدية مع بداية مرحلة البلوغ. بيد أن الحالة تزداد سوءًا في مرحلة الشباب وقد تتحسن تدريجيًّا مع تقدم العمر.

وعلى منصة "تيك توك"، فإن مقاطع الفيديو المعنونة باضطراب الشخصية الحدية، تم مشاهدتها نحو 600 مليون مرة، وهو ما لا يتناسب أبدا مع ندرة المرض مثلا في الولايات المتحدة، مما أذهل الطبيبة النفسية في ولاية ميزوري، آن سلاي.

تشير التقديرات إلى أن 1.4 في المئة فقط من السكان البالغين في الولايات المتحدة يعانون من هذا الاضطراب، وفقا للتحالف الوطني للأمراض العقلية، وهي منظمة غير ربحية معنية بالدفاع عن الصحة العقلية.

يقول الأطباء إن اضطراب الشخصية الحدية لا يتم تشخيصه أبدا عند المراهقين، لأن شخصياتهم لا تزال تتشكل ولأن بعض الأعراض، مثل وجود علاقات شخصية غير مستقرة وإظهار السلوك الاندفاعي، يصعب تمييزها عن سلوك المراهقين النموذجي.

يعد اضطراب تعدد الشخصيات (المعروف أيضًا باسم انفصام الهوية) أكثر ندرة، حيث يؤثر على أقل من واحد في المئة من السكان، وفقًا لعيادة كليفلاند الأكاديمية غير الربحية.

وبحسب الصحيفة، فقد تمت مشاهدة مقاطع الفيديو التي تحتوي على "اضطراب تعدد الشخصية" أكثر من 700 مليون مرة على "تيك توك".

وبعد أن رأت سلاي العديد من المرضى في منشأة للأمراض النفسية للأطفال، الصيف الماضي، الذين قاموا بالتشخيص الذاتي، وذكروا أنهم كانوا يتعلمون عن هذه الأمراض، عن طريق "تيك توك"، أسس هي نفسها حسابا لها على هذه المنصة لفهم ما كان هؤلاء الأطفال يشاهدونه.

وقالت سلاي: "أكثر ما صدمني عدد مقاطع الفيديو التي كانت تدور حول اضطراب الشخصية المتعددة نظرًا لمدى ندرة حدوثه"، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن "مقاطع فيديو "تيك توك" التي تزيل وصمة المرض العقلي وتقود بعض المراهقين لطلب المساعدة يمكن أن تكون إيجابية، ولكن إلى حد معين فقط".

وتشير سلاي إلى أنها، وأطباء آخرون، في جميع أنحاء البلاد يرون المزيد من المراهقين يأتون بتشخيصات ذاتية مستمدة من منصة "تيك توك".

ومؤخرا، تفوقت منصة "تيك توك" على "إنستغرام" في الشعبية بين المراهقين، وفقا لتقرير حديث صادر عن شركة "فورستر" للأبحاث.

واستخدم 63 في المئة من الأميركيين، الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و 17 عاما، تيك توك، ارتفاعا من 50 في المئة في عام 2020، فيما قلت النسبة المئوية للأطفال في تلك الفئة العمرية الذين استخدموا إنستغرام إلى 57 في المئة، انخفاضا من 61 في المئة في نفس العام.

ويقول المدير التنفيذي لخدمات المرضى الخ، لمركز علاج المراهقين في نيوبورت للرعاية الصحية في سانتا مونيكا، دون غرانت، إنهم يحاولون إقناع هؤلاء الأطفال بالتخلي عن تقييمهم الذاتي لأنفسهم بانهم مصابون بهذه الأمراض، "لكنهم عندما يغادروننا، يعودون مباشرة إلى مجتمع "تيك توك" الذي يعزز معتقداتهم".

وأوضح غرانت، الذي يرأس لجنة من جمعية علم النفس الأميركية التي تطور إرشادات لعلماء النفس والجمهور بشأن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، أن "التشبع بالمحتوى السلبي يمكن أن يغير كيمياء الدماغ، ويحل محل النواقل العصبية بهرمونات التوتر".

وأوضح: "ما يحدث هو أن الأدرينالين والكورتيزول في هذه الحالة يغمران العقل، بينما يقل أو ينعدم الدوبامين والسيروتونين"

في المقابل، يحاول بعض المعالجين اللجوء إلى "تيك توك" أيضا" لمكافحة المعلومات الخاطئة حول حالات الصحة العقلية، مثل الأخصائي الاجتماعي الإكلينيكي في مينيابوليس، إيفان ليبرمان، الذي جمع أكثر من مليون متابع على حسابه على المنصة.

من جهتها، قالت فريدلي، طالبة المدرسة الثانوية، إنها لم تبحث عن مقاطع فيديو حول تشخيصات الصحة العقلية على "تيك توك"، لكن التطبيق هو الذي اقترح عليها مشاهدة مثل هذه الفيديوهات، بعد أن بدأت في متابعة بعض حسابات الدفاع عن الصحة العقلية، مشيرة إلى أنها كانت تتابع حسابات نجوم كوميديين أيضا.

وأظهر تحقيق أجرته صحيفة "وول ستريت جورنال" مؤخرا أن خوارزميات "تيك توك"، التقطت إشارات خفية من المستخدمين، مثل المدة التي قضوها في مقطع فيديو، ثم عرضت عليهم المزيد والمزيد من نفس المحتوى.

وفي وقت سابق من الشهر الجاري، قالت "تيك توك"، وهي منصة تمتلكها شركة صينية، إنها تختبر تغييرات في الخوارزميات لتوجيه المشاهدين بعيدا عن نوع واحد من المحتوى.

حاليا، يمكن لمستخدمي "تيك توك"، تحديد خاصية "غير مهتم" على مقطع فيديو، إذا كانوا لا يريدون مشاهدة المزيد من مقاطع الفيديو من حساب معين، لكن مصنعي التطبيق يقولون إنهم يعملون على ميزة تسمح للأشخاص باختيار الكلمات، أو علامات التصنيف المرتبطة بالمحتوى الذي لا يريدونه في خلاصاتهم.

على مدار عام، اعتقدت فريدلي أن لديها تشخيصا مختلفا كل أسبوعين، وقامت بتدوين ذلك في دفتر يومياتها.

كان والدها، جون فريدلي، متشككا في تغيير تشخيصها الذاتي، "شعرنا لفترة طويلة أننا نتنافس مع وسائل التواصل الاجتماعي"، مشيرا إلى أن أي طفل يعاني من مشاكل نفسية، يجلس بمفرده في غرفته مع أفكاره ومع "تيك توك" وهو مزيج خطير".

وفي أبريل، التحقت فريدلي ، البالغة من العمر 18 عاما، ببرنامج للعلاج ضد القلق والاكتئاب.

وتقول فريدلي إن ظروفها ساءت خلال الوباء، "عندما كان التعليم فقط عن بُعد، مما جعلها تشاهد الكثير من مقاطع فيديو " تيك توك"، مضيفة ""لقد عبثت برأسي فعلا".

أوضحت المعالجة النفسية لفريدلي أن ما يتعلق ببعض أعراض الاضطراب لا يؤهل شخصا للتشخيص الذاتي، مما جعلها تقتنع في النهاية أن الأعراض التي كانت تعاني منها هي الاكتئاب والقلق فقط.

ساعدها الحصول على استراحة من وسائل التواصل الاجتماعي خلال 54 يوما من البرنامج العلاجي الخالي من الأجهزة. وقالت: "كان أفضل شعور على الإطلاق بعدم وجود هاتفي معي".

قبل خروجها من المستشفى في مايو، وافقت فريدلي وعائلتها ومعالجها على القواعد التي يجب اتباعها في المنزل، حيث اقترحت فريدلي أن تبقى بعيدة عن هاتفها لمدة ثلاثة أشهر.

بدأت في نهاية المطاف في مشاهدة مقاطع فيديو على "تيك توك" مرة أخرى، لكنها قللت مقدار الوقت الذي تقضيه على التطبيق، ونقرت على "غير مهتمة" لمقاطع فيديو حول تشخيصات الصحة العقلية.

وقالت إن الأمر استغرق حوالي شهر حتى تختفي مقاطع الفيديو الخاصة بالصحة العقلية تماما.

تقترح سلاي، "أخذ استراحة من مواقع التواصل الاجتماعي والابتعاد عنها لفترة من الوقت، كما فعلت فريدلي..".