المصدر: النهار
الكاتب: ابراهيم بيرم
الأربعاء 11 آذار 2026 07:39:00
اختار رئيس كتلة نواب "حزب الله" محمد رعد، أن تكون إطلالته المتلفزة الأولى من مجلس النواب على هامش جلسة التمديد برهانا حسيا يسقط سردية أنه قضى في الغارات الإسرائيلية العنيفة الأولى التي استهدفت أحياء في الضاحية الجنوبية. لكنها في الموازاة كانت نقطة الانطلاق لسجال مرتفع الحدة بين الرئاسة الأولى والحزب، يرى كثر أنها أنهت إلى حد بعيد مسارا من العلاقة المعقدة والمتعرجة بينهما منذ الأسابيع الأولى للعهد الحالي.
وفق المعلومات، إن قنوات التواصل بين الطرفين قد قُطعت تماما منذ إصدار الحكومة قراراتها الإثنين ما قبل الماضي، والتي انتهت إلى قرارات تحظر كل أنشطة الحزب العسكرية تحت طائلة الملاحقة القضائية.
انقطاع حبل التواصل بين الطرفين هذا لم يكن الأول من نوعه، إذ تشهد الوقائع أنه تكرر مرات عدة في الأشهر الخمسة عشر الماضية، لكنها بيّنت هذه المرة أن الأمور بينهما متجهة إلى حالة تصادمية لا مجال معها لأيّ جهود لرأب الصدع.
فلقد بات معلوما أن الرئيس جوزف عون أطلق مبادرة أعطيت صفة الإنقاذية للوضع، من ركائزها توفير مساعدات عاجلة للقوى العسكرية اللبنانية لتتولى مهمة نزع سلاح الحزب.
وتزامنا، يشرع فورا في جولات مفاوضات مباشرة بإشراف دولي بين لبنان وإسرائيل يتعين أن تنتهي باتفاق جديد يتجاوز بطبيعة الحال اتفاق الهدنة المبرم عام 1949 والقرار 1701 المتخذ عام 2006 واتفاق وقف الأعمال العدائية الموقع في 27 تشرين الثاني 2024.
لم يكن العرض الرئاسي الذي قدم للأوروبيين جديدا في خطوطه العريضة، كما لم يكن جديدا على مضامين توجهات الرئاسة الأولى، بل هو في تقدير الكثيرين تتويج لمسار سياسي بدأت ملامحه تتبدى في خطاب القسم في مجلس النواب، وبعدها أضاءت الرئاسة عليه باعتباره خيارا حصريا ليس لدى لبنان أيّ بديل منه، خصوصا أن البدائل العسكرية قد زادت منسوب المعاناة في لبنان.
لكن التطورات الدراماتيكية الأخيرة، وخصوصا تلك التي أعقبت الصواريخ الستة التي أطلقها الحزب في اتجاه إسرائيل فجر الثاني من الشهر الجاري، جعلت الرئاسة الأولى في حل من أيّ تعهدات سابقة قيل إنها أعطتها للحزب بناء على تفاهمات تمنحه أسبابا تخفيفية تراعي وضعه المحرج وتراهن على الوقت لـ"يتعقلن الحزب" ولإنضاج صيغ تفاهمية من جهة أخرى.
وبناء عليه، خلعت الرئاسة الأولى أخيرا القفازات الناعمة في علاقتها بالحزب، مرة واحدة، ومضت مباشرة إلى هدفها الأقصى، وهو تجريد الحزب تماما من كل سلاحه، خصوصا أن الرئاسة الأولى قد وضعته أخيرا في خانة ضرب الدولة لمصلحة إيران.
وحيال ذلك، فإن السؤال المطروح الآن هو: هل يمكن إدراج المواقف التي أطلقها رعد في إطلالته الأخيرة في خانة الرد الرسمي والنهائي من جانب الحزب على ما صار يعرف بـ"المبادرة الرئاسية"؟
البيان المكتوب الذي تلاه رعد لم يقدمه الحزب على أنه رد رسمي من جانبه على تلك المبادرة، واستطرادا لم ينطوِ على أيّ مستجد خارج خطابه المألوف حيال موضوع الرؤية لمستقبل الصراع مع إسرائيل، خصوصا عندما اعتبر أن الخيار "بين الحرب والسلم، بل إن لبنان مخيّر بين الحرب والاستسلام لشروط مذلة للبنان، يريد العدو فرضها على الحكومة، والتنازلات التي اختارتها الحكومة أغرت العدو وشجعته على طرح ذرائع أخرى قادت حكومة لبنان إلى تنازلات إضافية".
وأنهى رعد رؤيته بكلام مضاد لموقف عون المعتمد على أن المفاوضات خيار لا بديل منه، إذ يقول: "ليس عند الحزب من خيار غير المقاومة، وقدرنا أن نحمل في سبيل نصرة هذا الموقف، وأن نصبر على من يخطئ بحقنا ممن نعتبره شريكا في وطننا".
وبطبيعة الحال، لن يكون كلام رعد بمثابة رد الحزب النهائي على المبادرة الرئاسية، فالثابت أن هذا الكلام هو مبتدأ ردود الحزب وإشارة الانطلاق لفتح أبواب واسعة، خصوصا أن كلا من الطرفين ذهب إلى الخيارات القصوى فأسقط مساحات التفاهم السابقة تلقائيا.