المصدر: نداء الوطن
الكاتب: داود رمال
الاثنين 11 أيار 2026 08:36:05
في النصف الثاني من الشهر الحالي، يستعدّ الكرسي الرسولي في الفاتيكان لإصدار المرسوم الرسمي الذي يعلن البطريرك الماروني المثلث الرحمة إلياس بطرس الحويك طوباويًا، في محطة تتجاوز البعد الكنسي الروحي إلى أبعاد وطنية وتاريخية وسياسية عميقة، نظرًا إلى الموقع الذي يحتله الرجل في الوجدان اللبناني وفي تاريخ نشوء الكيان اللبناني الحديث.
فالحويك، الذي تولّى السدّة البطريركية بين عامي 1899 و1931، في واحدة من أطول الحبريات المارونية الممتدة لنحو أربعة وثلاثين عامًا، كان رأسًا للكنيسة المارونية في مرحلة مفصلية من تاريخ المشرق، إلا أنه كان أحد أبرز صانعي الفكرة اللبنانية الحديثة، وأحد الشخصيات الأربع التي يُجمع المؤرخون اللبنانيون على اعتبارها الركائز المؤسسة للبنان، إلى جانب الأمير فخر الدين المعني الثاني، والأمير بشير الثاني الشهابي، ويوسف بك كرم.
تكتسب هذه الخطوة أهميتها من التوقيت السياسي والتاريخي الذي تأتي فيه، إذ إن إعلان تطويب الحويك، إذ يُقرأ بوصفه تكريمًا دينيًا لرجل كرّس حياته للخدمة الروحية والاجتماعية فحسب، إلا أن الأهم هو إعادة استحضار رمزي لفكرة لبنان نفسها، في لحظة تبدو فيها هذه الفكرة مهددة أكثر من أي وقت مضى منذ إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920. فالرجل الذي خاض معارك ديبلوماسية وسياسية في المحافل الدولية عقب الحرب العالمية الأولى، وساهم في تثبيت حدود لبنان الكبير وانتزاع الاعتراف الدولي به، يعود اليوم إلى المشهد اللبناني من بوابة القداسة، بينما يواجه لبنان أخطر أزماته الوجودية، مع تحوّل البلاد إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
وتشير القراءة التاريخية لمسيرة الحويك إلى أنه لم يكن معنيًا بإقامة كيان جغرافي مستقلّ فقط، بل كان يحمل تصوّرًا متكاملًا للبنان بوصفه مساحة للتعددية والشراكة والانفتاح والحياد الحضاري بين الشرق والغرب. ومن هنا، فإن استعادته اليوم تحمل دلالات تتجاوز الكنيسة المارونية نفسها لتطال جوهر الصيغة اللبنانية. فلبنان الذي دافع عنه الحويك في مؤتمر السلام في باريس بعد الحرب العالمية الأولى، والذي طالب له بحدود اقتصادية وجغرافية تضمن استمراره واستقلاله، يواجه اليوم أسئلة وجودية حول وحدته الجغرافية، وقدرته على الاستمرار كوطن نهائي لجميع أبنائه، في ظل مشاريع النفوذ والتقسيم المقنّع وتضارب الولاءات السياسية والاستراتيجية.
وفي البعد الكنسي، يشكّل إعلان التطويب تتويجًا لمسار طويل من التحقيقات الكنسية والملفات التوثيقية المتعلقة بحياة الحويك وفضائله وأعماله. والحويك لم يكن رجل سياسة ودبلوماسية فقط، بل ترك إرثًا اجتماعيًا وإنسانيًا واسعًا، تمثّل خصوصًا في تأسيسه رهبنة راهبات العائلة المقدسة المارونيات التي تحوّلت لاحقًا إلى أكبر رهبنة نسائية مارونية، وأدّت دورًا محوريًا في التربية والرعاية الاجتماعية والصحية في لبنان والمشرق. وفي دلالة استثنائية على ارتباطه بهذا المشروع الروحي والاجتماعي، خالف التقليد البطريركي الماروني الذي يقضي بدفن البطاركة قرب أسلافهم في المدافن البطريركية، واختار أن يُدفن في الدير الأم للرهبنة التي أسّسها، في إشارة رمزية إلى البعد الإنساني والرعوي الذي أراده لإرثه.
وتتوقف أوساط دينية وسياسية عند الأبعاد الرمزية العميقة لهذه الخطوة، معتبرة أن الفاتيكان يوجّه من خلالها رسالة تتعلق بلبنان ودوره التاريخي في المنطقة، في وقت تتراجع فيه صورة الدولة وتتآكل مؤسساتها. فإعلان تطويب "بطريرك لبنان الكبير" في هذه المرحلة يبدو كأنه تذكير دولي وكنسي بأن لبنان مشروع حضاري وثقافي وإنساني قام على التعددية والشراكة والحرية. كما أن إعادة إحياء سيرة الحويك تعيد فتح النقاش حول طبيعة الكيان اللبناني وحدود أزمته الراهنة، وهل ما يعيشه لبنان اليوم هو أزمة نظام سياسي قابلة للإصلاح، أم أزمة سقوط تدريجي للفكرة التي قام عليها الكيان منذ تأسيسه.
ومن المنتظر أن يصدر مرسوم التطويب خلال النصف الثاني من الشهر الحالي، على أن يُقام الاحتفال الرسمي بإعلان الطوباوية لاحقًا في لبنان خلال شهر تموز المقبل، في احتفال ديني ووطني كبير سيمثّل فيه الكاردينال مارتشيلو سيميرارو، عميد دائرة دعاوى القديسين، قداسة الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر، ما يعكس الأهمية الاستثنائية التي يوليها الفاتيكان لهذا الحدث، ليس فقط على المستوى الكنسي، بل أيضاً على مستوى الرسائل المرتبطة بلبنان ودوره ومستقبله.
وفي المعنى الأعمق، فإن تطويب الحويك لا يبدو حدثًا دينيًا منفصلًا عن واقع لبنان الحالي، بل أقرب إلى لحظة مراجعة تاريخية ووطنية لمسار وطن نشأ على فكرة العيش المشترك والسيادة والانفتاح، ثم وجد نفسه بعد أكثر من قرن أمام خطر فقدان هويته ووظيفته ورسالة وجوده. ولذلك، فإن رمزية الحويك اليوم لا تختصر في كونه بطريركًا مارونيًا أو رجل كنيسة، بل في كونه أحد آخر الرجال الذين نجحوا في تحويل الحلم اللبناني إلى حقيقة سياسية وجغرافية معترف بها دوليًا، في زمن يبدو فيه اللبنانيون عاجزين حتى عن الاتفاق على كيفية حماية هذا الإرث أو منع سقوطه.