تأخير زيارات الموفدين لبيروت: إعادة ضبط دولية في توقيت حساس

شهدت الأسابيع الأخيرة حركة ديبلوماسية كثيفة نحو بيروت من موفدين يمثلون قوى دولية وإقليمية، غير أن هذه الحركة لم تترجم حتى الآن زيارات منظّمة وعلنية في توقيتها المعلن مع بدء السنة الجديدة، ما فتح باب التساؤل عن أسباب التأخير وما إذا كان يحمل في طياته رسالة سياسية أوسع تتصل بتطورات الوضعين اللبناني والإقليمي.

من الجانب الأميركي، كان يُتوقع أن تزور الموفدة الأميركية الخاصة إلى لبنان وإسرائيل مورغان أورتاغوس لبنان في إطار مهمات مرتبطة بحضور لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية المعروفة بـ"الميكانيزم"، وبعقد لقاءات سياسية موازية، إلا أن الزيارة لا تزال مؤجلة حتى الآن، في مؤشر لربطها بسياقات دولية أوسع ومعطيات ميدانية تحتاج إلى مزيد من الترتيب قبل تثبيت موعد نهائي لها.

أما بالنسبة إلى الموفد الفرنسي جان - إيف لودريان، فقد اكتسبت زياراته لبيروت أهمية خاصة في دعم المؤسسة العسكرية ودفع مسار إعادة الإعمار وتحريك المبادرات الدولية الداعمة للبنان. غير أن معلومات محلية أفادت أن بعض زياراته الأخيرة أُرجئ لأسباب شخصية تتصل بوفاة شقيقته، إضافة إلى رغبة فرنسية في تنسيق الزيارة لتتزامن مع حركة موفدين آخرين من دول عربية وغربية، في طليعتها السعودية، بما يعكس توجهاً في باريس إلى توحيد الجهد الدولي حول الملف اللبناني قبل إعلان أي مواعيد رسمية لمؤتمر دعم الجيش.

وتشير المعلومات أيضاً إلى أن تأجيل زيارة لودريان الأخيرة، وكذلك زيارة وفد سعودي أميركي، جاء على خلفية اقتصار اجتماعات لجنة "الميكانيزم" في المرحلة الراهنة على المستوى العسكري التقني حصراً لفترة محددة، في حين فضّلت باريس أن تتم الزيارة في سياق أوسع يشمل البعد السياسي والمدني، ما دفع إلى إرجاء الموعد إلى حين اتضاح صورة الاجتماعات المقبلة.

في المقابل، برز في الخلفية دور قطري نشط في إطار وساطة غير معلنة مع الأطراف اللبنانية، ولا سيما مع "حزب الله" وبعض القيادات السياسية، بعيداً من الأضواء والإعلانات الرسمية، وهو ما تفيد المعلومات أنه جزء من جهد قطري أوسع لبلورة قاعدة تفاهم داخلية وتوفير شروط مؤاتية قبل الانتقال إلى مرحلة الزيارات العلنية.

تكشف هذه الوقائع أن ما يجري ليس تأخيراً عشوائياً في حركة الموفدين، بل هو جزء من إعادة ضبط ديبلوماسية مدروسة في توقيت بالغ الحساسية على المستويين اللبناني والإقليمي، حيث باتت الزيارات مرتبطة بتطورات موضوعية تتصل بتنفيذ الاتفاقات الدولية وإعادة تفعيل دور الدولة في تطبيقها، ولاسيما في ما يتعلق بوقف الأعمال العدائية وحصر السلاح ضمن الأطر التي يراها المجتمع الدولي شرطاً أساسياً للاستقرار.

في هذا السياق، لا تقتصر الرسائل السياسية التي تحملها هذه الحركة المتباطئة على مواعيد الزيارات بذاتها، بل تتصل بمقاربة أوسع تعتمدها القوى الدولية، تقوم على تهيئة الشروط السياسية والأمنية داخلياً قبل الانتقال إلى خطوات علنية قد تُفسَّر على أنها غطاء لمسار لم يكتمل، أو ضغط علني قد يهدد توازنات دقيقة.

في المحصلة، لم تتراجع أهمية لبنان في الأجندة الدولية، لكنها انتقلت من خانة الملف الذي يحتاج إلى تسوية سياسية إلى خانة الملف الذي يتطلب إثبات جدية في التنفيذ. وبين التسوية والجدية فرق أساسي في السياسة، لأن الأولى تنتج وعوداً، فيما الثانية تنتج أحكاماً.