المصدر: المدن
الأحد 27 أيلول 2026 20:42:35
برزت في الساعات الأخيرة ملامح تصدعات داخلية سياسية عميقة، تزامناِ مع الحراك المكثف الذي تضطلع به الحكومة اللبنانية في المحافل الدولية، في سعيها إلى تجنب الأسوأ. ففي مواجهة الواقع الميداني الذي تحاول إسرائيل فرضه في الجنوب، يسعى لبنان الرسمي إلى تحصين موقفه الدبلوماسي بالاستنفار ديبلوماسياً بين نيويورك وواشنطن. ويبرز هنا اللقاء المرتقب بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. وستركز المحادثات اللبنانية- الأميركية على تذليل العقبات الأمنية والسياسية التي تعترض اتفاق الإطار، وعلى تقريب وجهات النظر تمهيداً لجولة مفاوضات جديدة. ويجدد الرئيس سلام تمسك لبنان بالخيار الدبلوماسي باعتباره الأقل كلفة، مع تأكيد الحاجة إلى حضور دولي ضامن عبر قوة جديدة برعاية الأمم المتحدة للمراقبة والتبليغ، مع ضمان حصر القرار الأمني والسلاح بيد المؤسسات الشرعية.
هذا الاستنفار يقابله في الجنوب اللبناني تسخين متصاعد يعكس تحولاً نوعياً في الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، وتمثّل اليوم بإنزال مروحيات "الأباتشي" القتالية للمرة الأولى، عبر شن غارات استهدفت مراكز تجارية ومنازل في بلدة ميفدون وقبريخا، ومن خلال تفجيرات وعمليات نسف منازل في الخيام والمنصوري، وسط استمرار القصف المدفعي على بلدات حداثا وحاريص وشقرا وسواها. ويتزامن هذا التصعيد مع ما أعلنته وسائل إعلام إسرائيلية عن استعداد الجيش للدخول في "مرحلة جديدة" ضمن المنطقة المسماة "الخط الأصفر"، عبر إعادة تنظيم انتشار القوات وبناء مواقع عسكرية جديدة، فيما طالبت أصوات متطرفة في إسرائيل، كوزير المالية بتسلئيل سموتريتش، بضم مناطق جنوب لبنان وغزة. ويرجح أن يكون تصعيد تل أبيب جزءاً من الحسابات الانتخابات الإسرائيلية في تشرين الأول المقبل، حيث تُوظّف المواجهة كورقة داخلية، وهو ما يقلل من فرص انعقاد جولات تفاوضية جدية قبل هذا الاستحقاق أو التزام إسرائيل بتنفيذ "اتفاق الإطار".
أما على الضفة السياسية الداخلية، فبلغت التوترات مستوى غير مسبوق، يعكس عمق الشرخ بين حزب الله والعديد من القوى اللبنانية، وبينها "التيار الوطني الحر". فقد فجّر وصف رئيس "التيار" جبران باسيل لواقع الحزب بـ "المكحكح والضعيف" سجالاً عنيفاً مع مسؤول ملف الموارد في الحزب نواف الموسوي، الذي اعتبر كلام باسيل "معيباً وقليل أدب". وأعقب ذلك بيان شديد اللهجة من التيار دعا فيه الحزب إلى "تجنب الدخول في مشاكل إضافية مع اللبنانيين"، محذراً من تزايد عزلته الناتجة عن حروب لم يُجمع عليها اللبنانيون، وذلك بالتزامن مع إعلان التيار إطلاق "مرصد الحكومات" لمطالبة السلطة بالمساءلة. وفي المقابل، جدد رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع التأكيد على أن الدولة هي الجهة الوحيدة المكلفة بالدفاع عن شعبها، مؤكداً عدم استقامة العيش الكريم بغياب حصرية السلاح. وهذا التنافرالعنيف في المواقف يشي باتساع الشرخ الداخلي في لحظة لبنانية صعبة.
وفي الذكرى الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين، جدد الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم مواقف الحزب إياها ، متمسكاً بخيار المقاومة وسلاحها، ومؤكداً أن الحزب سيواصل النهج نفسه وأن "فلسطين ستبقى البوصلة" فيما يبقى تحرير الأراضي اللبنانية، وفق تعبيره، في صدارة الأولويات. واعتبر قاسم أن المشكلة تكمن في استمرار العدوان الإسرائيلي لا في المقاومة، مشيراً إلى أن المواجهة ستبقى مرتبطة بحسابات المكان والزمان والربح والخسارة بما يمنع إسرائيل من تثبيت احتلالها.
قاسم يتمسك ب"المقاومة"
وشدد قاسم على أن شعار "إنا على العهد" يعني استمرار الحزب في النهج الذي رسمته قيادته السابقة، مؤكداً أن "فلسطين ستبقى البوصلة، وتحرير أرضنا هو الأولوية". واعتبر أن المشكلة تكمن في "العدوان وليس في المقاومة"، وأن المواجهة ستبقى خاضعة لحسابات المكان والزمان والربح والخسارة.
كما شدد على أن "لبنان واحد وسيبقى كذلك أو لا يكون"، معتبراً أن إسرائيل تسعى إلى ضرب عناصر قوته وإحداث الفتنة داخله، في موقف يعكس استمرار تمسك الحزب بخياراته في مقابل تصاعد الدعوات الداخلية إلى حصر السلاح بيد الدولة.
الجنوب تحت التصعيد
وفي الميدان، لم تتراجع وتيرة التصعيد طوال النهار. فقد نفذ الجيش الإسرائيلي تفجيراً عنيفاً في بلدة عيترون، فيما تعرضت أطراف برعشيت لقصف مدفعي، وشُنّت غارة جديدة على منطقة العريش بين حاريص وحداثا، إلى جانب غارات استهدفت قبريخا.
وكانت ميفدون من أبرز ساحات التصعيد، حيث نفذت مروحية إسرائيلية من طراز "أباتشي" غارتين على مبنى تجاري على الطريق بين ميفدون وشوكين. ونجا فريق إسعاف كان موجوداً في المكان لإجراء كشف ميداني بعد الغارة الأولى من غارة ثانية استهدفت المبنى نفسه، فيما اقتصرت الأضرار على المحال التجارية والشقق السكنية، من دون الإبلاغ عن إصابات في صفوف المسعفين.
وفي المنصوري، تعرضت البلدة لقصف مدفعي فسفوري، بالتزامن مع رصد تحركات للجيش الإسرائيلي وعمليات تفخيخ لمنازل، بعد سلسلة من عمليات النسف والتفجيرات العنيفة التي طالت البلدة منذ ساعات الفجر. كما استهدفت غارة إسرائيلية منطقة الحمّام في الخيام، وطالت مبنى سبق أن تضرر في غارة سابقة.
وامتد النشاط الإسرائيلي إلى ميس الجبل وحداثا وعيترون وبيت ياحون وصربين ووادي زبقين، بين غارات وقصف مدفعي وتمشيط بالرشاشات الثقيلة. كما أطلقت دبابة "ميركافا" أربع قذائف باتجاه حداثا، فيما سجل تحليق مكثف للطيران الحربي فوق الجنوب والبقاع الغربي.
إسرائيل تبرر وترفع السقف
وفي روايتها للتصعيد، قالت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إن الغارات جاءت رداً على إطلاق مسيّرة مفخخة باتجاه قوات إسرائيلية في ما وصفته بـ"المنطقة الأمنية" في جنوب لبنان، مؤكدة عدم وقوع إصابات في صفوف الجيش. وأضافت أن الهجمات استهدفت مواقع قالت إنها استُخدمت لإطلاق مسيّرات وصواريخ مضادة للدروع، إلى جانب بنى تحتية أخرى تابعة لحزب الله.
وتزامن ذلك مع ارتفاع سقف الخطاب السياسي الإسرائيلي، إذ دعا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى ضم جنوب لبنان والأراضي التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي في غزة، في موقف يزيد المخاوف اللبنانية من محاولة فرض وقائع جديدة وطويلة الأمد على الأرض.
وبين خطاب حزب الله المتمسك بأوراقه، ومواقف خصومه الداعية إلى حصرية السلاح، والتصعيد الإسرائيلي المفتوح في الجنوب، تبدو الحكومة اللبنانية أمام اختبار مزدوج، محاولة تثبيت مسار تفاوضي خارجي قادر على وقف التدهور الميداني، وفي الوقت نفسه إدارة انقسام داخلي يتسع حول مقاربة الحرب والسلاح ومستقبل العلاقة مع إسرائيل.