المصدر: أساس ميديا
الكاتب: ملاك عقيل
الاثنين 31 آب 2026 07:55:42
لم تُفضِ المساعي اللبنانيّة ومساعدة “الأصدقاء” إلى التمديد لقوّات الطوارىء الدوليّة العاملة في الجنوب “اليونيفيل”، ولو لولاية مؤقّتة. هذا ما عَكَسته مداولات جلسة مجلس الأمن الدوليّ يوم الجمعة، وما سَمعه مسؤولون لبنانيّون مباشرة من الموفدين الدوليّين. في المقابل، لا ملامح لتوافق على قوّة أمميّة بديلة، في ظلّ ضغط أميركيّ – إسرائيليّ لجعل اتّفاق الإطار المرجع لعمل أيّ قوّة أوروبيّة أو متعدّدة الجنسيّات في لبنان، وليس في جنوبه فقط.
بموجب القرار الدوليّ 2790 الصادر في آب الماضي، ينتهي التفويض الحاليّ لـ”اليونيفيل” في 31 كانون الأوّل المقبل. يشير النصّ نفسه إلى طلب تقرير من الأمين العامّ للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريش لتقديم البدائل بغية مواصلة تنفيذ مندرجات القرار الـ1701.
كلّ المحاولات حتّى الآن، بما فيها المناشدات اللبنانيّة وزيارة وفد مجلس الأمن الدوليّ للبنان في 28 كانون الأوّل الماضي، وصولاً إلى التقرير الذي قدّمه الأمين العامّ للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريش عن البدائل العسكريّة لـ”اليونيفيل” في تقرير سابق له في حزيران الماضي في سياق “استكشاف خيارات مستقبليّة لتنفيذ القرار 1701 بعد انسحاب “اليونيفيل”، ثمّ جلسة مجلس الأمن الأخيرة يوم الجمعة و”مشاوراتها المغلقة”، كلّ ذلك لم يُفلح في شقّ الطريق نحو تمديد إضافيّ مؤقّت لقوّات الطوارئ الدوليّة، بحكم الفيتو الأميركيّ، في ظلّ تعثّر محاولات الاتّفاق على القوّة الأمميّة البديلة.
بين واشنطن وبرّي
استبقت وزارة الخارجيّة الأميركيّة انعقاد جلسة مجلس الأمن بتأكيد المتحدّث باسمها في تصريحات إعلاميّة رفْضَ التمديد مجدّداً لـ”اليونيفيل”، مشيراً إلى فشلها في مهامّها “حيث شهدت على سبع جولات من الصراع في الجنوب، وبنى “الحزب” بنية تحتيّة عسكريّة ضخمة في محيط مواقعها مباشرة”، مؤكّداً أنّ “واشنطن غير مهتمّة باستبدال المُهمّة الحاليّة بمُهمّة أخرى غير فعّالة ومفتوحة المدّة”.
جلسة مجلس الأمن في 28 آب هي بمنزلة موعد تقليديّ لمراجعة انتداب “اليونيفيل” في لبنان، وشهدت مداخلات من وكيلة الأمين العامّ للشؤون السياسيّة روزماري ديكارلو، وووكيل الأمين العامّ لشؤون السلام جان بيير لاكروا، إضافة إلى عدد من أعضاء مجلس الأمن، لكنّ أهمّيّتها هذه المرّة تنبع من كونها الجلسة التي أقفلت الباب نهائيّاً على احتمال التمديد لـ”اليونيفيل”، لا سيّما أنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة اشترطت في جلسة تمديد ولاية “اليونيفيل” العام الماضي ذكر التاريخ النهائيّ لعمل قوّات الطوارئ الدوليّة في جنوب لبنان وإلّا فستستخدم حقّ نقض القرار الصادر آنذاك.
في جلسة المشاورات المتعلّقة بتنفيذ القرار 1701 في تمّوز الماضي أصرّ بيير لاكروا على ضرورة اتّخاذ قرار حاسم في شأن مرحلة ما بعد “اليونيفيل” “من أجل تسهيل الطريق للانتقال إلى مرحلة ما بعد القبّعات الزرق”، لكن حتّى الآن لا تزال هذه النقطة عالقة، واستدعت تدخّلاً من قبل رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي الذي أكّد في حديثه إلى صحيفة “الشرق الأوسط” “ضرورة البحث عن قوّة أمميّة تحلّ مكان “اليونيفيل” تحظى بتوافق أوروبيّ-أميركيّ، وتوجد في جنوب لبنان تحت علم الأمم المتّحدة، وإلّا فسنفتقر إلى المستند القانونيّ للإبقاء على المرجعيّة الدوليّة والتمسّك بدورها باعتبارها الناظم الوحيد لمؤازرة الجيش اللبنانيّ”.
النقطة الأبرز في كلام برّي تأكيده أنّ “الاتّفاقات الثنائيّة بين لبنان وإسرائيل ليست البديل عن الحضور الدوليّ في الجنوب”. وهذه نقطة بالغة الحساسيّة، حيث يؤكّد مطّلعون أنّ برّي يشير تحديداً إلى نصّ اتفاقيّة 16 نيسان، التي أعقبت الجولة الأولى من التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، ونصّ اتّفاقيّة 26 حزيران، وكلاهما في ميزان برّي ينزعان من يد لبنان بوصلة القرار 1701 (لا ذكر له في الاتّفاقيّتين)، ويسحبان المستند القانوني الذي يمكن أن يتّكئ عليه لبنان في مواجهة اعتداءات إسرائيل، ويعطيان إسرائيل “كارت بلانش” للتصرّف على حساب مصلحة لبنان، وهذا ما دفعه إلى وصف اتّفاقيّة 26 حزيران بـ”الفتنة”.
المرجع الحصريّ: اتّفاق الإطار
في الوقائع، تؤكّد اتّفاقيّة 16 نيسان أنّ “كلّ من إسرائيل ولبنان ليسا في حالة حرب، ويلتزمان الانخراط في مفاوضات مباشرة بحسن نيّة وبتيسير من الولايات المتّحدة، وذلك بهدف التوصّل إلى اتّفاق شامل يضمن الأمن والاستقرار والسلام بين البلدين بشكل دائم”، فيما تشير مقدّمة الاتّفاقيّة حصراً إلى “الاحتفاظ بحقّ إسرائيل المتأصّل في الدفاع عن نفسها”.
أمّا اتّفاقيّة 26 حزيران فتنصّ في بندها الثامن على “تأكيد البلدين أنّهما “يشتركان” في هدف إقامة لبنان آمن ومعاد بناؤه، تحت السيادة الكاملة للدولة اللبنانيّة، بحيث لا تشكّل أيّ جماعة مسلّحة غير تابعة للدولة تهديداً لإسرائيل أو لبنان أو لمواطني أيّ من البلدين. ويعترف البلدان بأنّ استعادة الأمن في جنوب لبنان من خلال انتشار القوّات المسلّحة اللبنانيّة، والعودة الآمنة للسكّان المدنيّين، وضمان أمن المجتمعات الإسرائيليّة الشماليّة، تشكّل عناصر أساسيّة لتحقيق الاستقرار والسلام على المدى الطويل”.
وفق المعلومات، يُواجِه لبنان ضغطاً أميركيّاً – إسرائيليّاً لجعل اتّفاق الإطار هو المرجع، مع تحقيق “تجاهل” القرار 1701، أو أيّ محاولات لوجود أوروبيّ شبيه بقوّات “اليونيفيل”، حتّى لو بصلاحيّات عسكريّة.
يشير المطّلعون إلى أنّ واشنطن ترى أنّ “الإطار الثلاثيّ هو المدخل لتنفيذ مندرجات اتّفاقيّة الإطار، خصوصاً لجهة تحقيق السلام المستدام بين البلدين، وهو ما يُغني عن الركون مجدّداً إلى ترتيبات أمنيّة فضفاضة على غرار “اليونيفيل” ولمدّة زمنيّة غير محدّدة”، والأهمّ تبلور الموقف الأميركيّ القائم “على اعتبار أيّ وجود دوليّ أو أوروبيّ أو متعدّد الجنسيّات مرتبطاً حصراً باتّفاق الإطار وراعيه الأوّل، أي واشنطن”.
من هنا قد يُفهم التعثّر في بتّ مسألة الدول المشاركة في هذا الإطار الأمميّ المحتمل، وعلى رأسها إيطاليا وفرنسا، ومدى ارتباطه باتّفاق الإطار، أو العمل بمعزل عنه، خصوصاً أنّ هذه الدول تحتاج بدورها إلى ضمانات، وإلى وضوح في مهامّها، ومساحة انتشار.
في هذا السياق، شكّل البيان الأخير الصادر عن “اليونيفيل” إدانة واضحة للخطّ الأصفر الذي تحاول إسرائيل تثبيته. “الشرطيّ الدوليّ” الذي يُحصي يوميّاً الانتهاكات الإسرائيليّة أكّد أنّ “القرار 1701 لا يزال يُشكّل الإطار الأساسيّ لتحقيق الاستقرار في جنوب لبنان، والمبادئ التي يقوم عليها القرار تشمل احترام الخطّ الأزرق، ووقف الأعمال العدائيّة، وانسحاب القوّات الإسرائيليّة، وبسط سلطة الدولة اللبنانيّة على كامل أراضيها”.