تحذيرات أمنية واسعة النطاق.. هل اقتربت "المواجهة الكبرى" بين واشنطن وطهران؟

دخل الصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة استخباراتية وعملياتية بالغة الحساسية، مع صدور سلسلة تحذيرات أمنية متزامنة وواسعة النطاق عن شبكة من السفارات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

ولا تندرج هذه الخطوات الدبلوماسية المنسقة، بحسب مصادر دبلوماسية غربية، ضمن أدوات الضغط التقليدية فحسب، بل تعكس تحولًا في تقديرات مجتمع الاستخبارات الأمريكي، الذي يرى أن الانتقال من حافة الهاوية الحالية إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد يحدث بسرعة تتجاوز القدرة على الاحتواء. 

ورغم عدم وجود مؤشرات تكفي للحكم القاطع باندلاع حرب شاملة، فإن التحركات الأخيرة تعكس، وفق المصادر، حالة استنفار متزايدة داخل الدوائر الاستخباراتية الأمريكية.

مؤشرات ميدانية
وقالت مصادر دبلوماسية غربية لـ"إرم نيوز" إن التحذيرات المتزامنة التي أطلقتها البعثات الأمريكية في المنطقة جاءت استنادًا إلى مؤشرات تكتيكية رُصدت عبر الأقمار الصناعية وشبكات الاعتراض الإشاري التابعة لأجهزة الاستخبارات الأمريكية.

وبحسب المصادر، شملت المؤشرات تحركات غير معتادة لمنصات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة داخل إيران، إلى جانب رصد أنماط اتصالات عسكرية مشفرة لجماعات حليفة لطهران في العراق واليمن ولبنان، قالت إنها تحاكي أنماط عمل غرف العمليات المتقدمة، وقد تشير إلى الانتقال من وضعية الدفاع إلى الاستعداد للهجوم.

وترى المصادر أن المقاربة الأمريكية الحالية تنطلق من مبدأ الإنذار المسبق بهدف حماية الأرواح، في ظل حساسية تعرض القوات أو الرعايا الأمريكيين في الخارج لأي هجمات، خصوصًا مع الضغوط السياسية الداخلية التي تواجهها الإدارة الأمريكية.

وتوضح أن تعميم التحذيرات عبر وزارة الخارجية يهدف، مبدئيًا، إلى خفض الوجود البشري الأمريكي تدريجيًا في بؤر التوتر، إلى جانب توفير غطاء قانوني للحكومة وتحذير الأفراد والمؤسسات الخاصة العاملة في تلك المناطق من المخاطر المحتملة.

سلاح الكشف المبكر
وعلى الصعيد الاستراتيجي، تتبنى واشنطن، وفق المصادر، نهجًا يقوم على الكشف العلني عن بعض التقديرات الاستخباراتية، في محاولة لحرمان طهران وحلفائها من ميزة المفاجأة الاستراتيجية.

ويهدف هذا النهج إلى دفع القيادة السياسية والعسكرية في إيران إلى إعادة حسابات الكلفة والمخاطر قبل الإقدام على أي تحرك ميداني، في ظل إدراك أن كشف التحركات العسكرية قد يزيد احتمالات تعرضها لضربات أمريكية أو من حلفاء واشنطن.

كما يمنح الاستنفار الدبلوماسي العلني الولايات المتحدة مساحة أوسع للتحرك السياسي على الساحة الدولية، من خلال عرض تقديراتها بشأن المخاطر المحتملة وتهيئة الحلفاء لأي تصعيد مقبل.

وبحسب المصادر، تسعى واشنطن أيضًا إلى تحميل طهران المسؤولية عن أي تدهور أمني محتمل قد يهدد ممرات الطاقة أو الأمن الإقليمي، بما قد يساعدها على حشد دعم دولي في حال اتساع نطاق المواجهة.

مخاوف من الحسابات الخاطئة
ويعكس التصعيد الاستخباراتي الأمريكي، وفق التقديرات المطروحة، مخاوف متزايدة من الحسابات الخاطئة والتصعيد غير المنضبط.

ورغم احتمال عدم رغبة الطرفين في الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة، فإن رفع مستويات الجاهزية العسكرية قد يقلص هوامش المناورة السياسية، ويجعل أي حادث في مياه الخليج أو في مناطق انتشار القوات الأمريكية والإيرانية عاملًا محتملًا لتوسيع نطاق المواجهة.

وقال المحلل السياسي جهاد نوير لـ"إرم نيوز" إن الأزمة بين واشنطن وطهران تجاوزت مرحلة "حافة الهاوية" ودخلت، بحسب تقديره، مرحلة "الاشتباك المستدام".

وأضاف أن التزامن في التحذيرات الأمريكية عبر بعثاتها الدبلوماسية في المنطقة يعكس، من وجهة نظره، قناعة لدى البنتاغون بأن أدوات الردع التقليدية لم تعد تحقق النتائج المرجوة مع القيادة الإيرانية الحالية.

وأوضح أن تبادل الضربات بين الجانبين يعني، وفق تقديره، أن قواعد الاشتباك السابقة تغيرت، وأن الطرفين يعملان على صياغة معادلات جديدة، الأمر الذي يرفع مخاطر اتساع المواجهة إقليميًا.

وأشار نوير إلى أن خطورة الوضع تكمن أيضًا في غياب قنوات اتصال خلفية فعالة، معتبرًا أن كثافة التحذيرات العلنية للرعايا الأمريكيين تعكس تراجع فرص التوصل إلى تسوية دبلوماسية قريبة.

وخلص إلى أن توجيهات للموظفين والرعايا الأمريكيين في بعض دول المنطقة بالتعرف على أنظمة الإنذار وتخزين المواد الغذائية الأساسية لا تبدو، وفق قراءته، مجرد إجراءات احترازية روتينية، بل قد تعكس استعدادًا لاحتمال وقوع هجمات صاروخية واسعة النطاق تطال أهدافًا أمريكية أو حليفة في المنطقة.