المصدر: إرم نيوز
الكاتب: مالك الحافظ
الثلاثاء 21 نيسان 2026 13:16:07
في الأيام الأولى التي تلت وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، اتجه الخطاب الرسمي في بيروت نحو تثبيت التهدئة وفتح مسار سياسي أوسع، وظهر ذلك بوضوح في حديث الرئيس اللبناني جوزيف عون عن الانتقال إلى "اتفاقات دائمة".
أما إسرائيل فقد دفعت في اتجاه آخر على الأرض، وقد نشرت خريطة لخط انتشار قواتها داخل جنوب لبنان، ثم وسّعت تحذيراتها للسكان من الاقتراب من الشريط الحدودي ومن مجرى الليطاني.
وضع ذلك الهدنة منذ أسبوعها الأول داخل سياق أمني مشدود تتحكم به إسرائيل عبر التمركز الميداني وحدود الحركة وقواعد العودة، وبذلك دخلت المرحلة الحالية من باب فرض الوقائع في الجنوب وربط أي تفاوض لاحق بخريطة سيطرة قائمة فعلًا.
فرض الوقائع
تقول مصادر سياسية لبنانية لـ"إرم نيوز" إن ما قامت به إسرائيل خلال اليومين الماضيين يتصل مباشرة بمسار التفاوض، وهي تقرأ الخريطة والتحذيرات كجزء من محاولة مبكرة لتحديد شكل الجنوب قبل أي اتفاق، وترى أن هذا الأسلوب يضع الدولة اللبنانية تحت ضغط مباشر منذ الأيام الأولى لوقف إطلاق النار.
ودخلت إسرائيل وقف إطلاق النار وهي تعرف ما تريد فرضه في الجنوب، وقد ظهر ذلك في حديث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يوم الجمعة الفائت حين قال إن "المهمة" ما زالت مستمرة.
وبذلك صار وقف النار جزءًا من مرحلة ضغط منظم تقودها تل أبيب، وصارت بيروت تتعامل مع تفاوض يجري تحت سقف رسمته القوات الإسرائيلية على الأرض.
وقال الصحفي والمحلل السياسي اللبناني جاد يتيم، خلال حديثه لـ"إرم نيوز"، إن الدولة اللبنانية تحاول في هذه المرحلة استعادة قرارها السيادي.
وأضاف أن لبنان يحاول أن يخرج من الحرب الحالية عبر مسار دبلوماسي منفصل، بحيث لا تجني إيران مكاسب من الورقة اللبنانية.
السلاح والخريطة
ضمن هذا الإيقاع، تعاملت إسرائيل مع الهدنة كفرصة لترتيب الجنوب وفق حاجاتها الأمنية المباشرة، وربطت أي تقدم سياسي بملف سلاح "حزب الله" جنوب الليطاني.
وكرّر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس هذا الاتجاه حين قال إن نزع السلاح سيجري عبر السياسة أو عبر العمليات العسكرية بعد انتهاء وقف إطلاق النار.
وبهذا وضعت إسرائيل ملف السلاح في قلب المرحلة التالية، وهو ما ترى فيه مصادر سياسية لبنانية مؤشرًا على اتجاه المرحلة المقبلة، إذ تدفع تل أبيب نحو إدراج هذا الملف داخل الترتيبات المرتبطة بالانسحاب والانتشار وضبط الجنوب.
خريطة الانتشار التي نشرها الجيش الإسرائيلي أدخلت الجنوب في مرحلة تفاوض تجري تفاصيلها على الأرض نفسها، إذ حدّدت مواقع السيطرة، وربطت أي نقاش لاحق بهذه الحدود المرسومة فعليًّا، فصار البحث في الانسحاب والانتشار والسلاح يدور داخل نطاق جغرافي محدد سلفًا، وتدفع الدولة اللبنانية إلى التعامل مع وقائع مرسومة ميدانيًّا في كل خطوة لاحقة.
اختبار الدولة اللبنانية
مع تقدم هذا المسار، دفعت إسرائيل نحو تثبيت شريط حدودي منضبط أمنيًّا وفق شروطها المباشرة، ووضعت هذا الشريط في صلب المرحلة التالية، عبر ربطه بملف سلاح حزب الله جنوب الليطاني، وبانتشار الجيش اللبناني ضمن نطاق محدد؛ ما يحوّل الجنوب إلى مساحة تخضع لترتيب أمني مفروض على الدولة اللبنانية.
هذا المسار يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار تنفيذي مباشر في الجنوب؛ لأن تثبيت السيادة يرتبط بسرعة انتشار الجيش، وبقدرته على الإمساك بالمناطق القريبة من الحدود، وبمستوى حضوره داخل القرى التي شهدت المواجهات.
كما يرتبط ذلك بقدرة الجيش على فرض إيقاع أمني مستقر، في وقت تتحرك فيه إسرائيل لتثبيت وقائعها على الأرض وربطها بأي نقاش لاحق.
وأوضح يتيم، أن الدولة لا تحتاج إلى تنفيذ كل شيء دفعة واحدة؛ لأن هذا المسار يحتاج إلى وقت، لكنه شدد على أن عدم البدء بمسار موازٍ للمسار الدبلوماسي، يتصل بفرض الأمن وتطبيق القرارات السيادية، سيجعل التفاوض أكثر صعوبة وتعقيدًا خلال المرحلة المقبلة.
المرحلة التالية
من جانبه يربط الرئيس عون وقف النار بانسحاب القوات الإسرائيلية وانتشار الجيش اللبناني وإنهاء المظاهر المسلحة، وهذا يضع الرئاسة والجيش أمام اختبار تنفيذي مباشر خلال الأيام المقبلة.
ورأى يتيم أن الطريق إلى اتفاقات دائمة ما زال طويلًا؛ لأن ما يجري على الأرض لا يدل على أن الأطراف العسكرية الفاعلة تتجه سريعًا إلى إغلاق الملف.
وأوضح أن إسرائيل لا تبدو مستعدة لإنهاء المسار من دون ترتيبات واضحة وملزمة، فيما ما زالت الحسابات المرتبطة بـ"حزب الله" وبإيران تضغط على الجهة المقابلة من المشهد.
في المحصلة، فإن المرحلة التي فتحتها الهدنة منذ أيامها الأولى تتجه إلى تثبيت مسار تفاوضي تديره الوقائع الميدانية، إذ تتحرك إسرائيل لتكريس انتشارها كمرجعية لأي خطوة لاحقة، وتربط الانسحاب وترتيبات الأمن بملف السلاح جنوب الليطاني وبقدرة الدولة اللبنانية على الإمساك بالمنطقة خلال فترة زمنية قصيرة.
ويدخل الجيش اللبناني إلى الجنوب تحت ضغط مزدوج مصدره سرعة الانتشار المطلوبة وطبيعة البيئة التي عاد إليها السكان.
وبين هذين المسارين يتحدد إيقاع المرحلة المقبلة، حيث تتقدم الاتصالات المباشرة على قاعدة ملفات محددة تشمل الحدود وآليات الانتشار، وتتقدم معها محاولة أمريكية لضبط المسار ومنع خروجه عن سقف التهدئة.
وفي هذا الإطار يتشكل مسار تفاوضي طويل تحكمه التفاصيل الميدانية اليومية وتوازنات القوة التي أفرزتها الحرب.
ويبقى احتمال العودة إلى المواجهة حاضرًا داخل هذا المسار نفسه، ومرتبطًا بمدى التزام الأطراف بالترتيبات الجاري فرضها على الأرض وبقدرة الدولة اللبنانية على تثبيت حضورها في الجنوب ضمن الشروط التي تتشكل الآن.