تحركات شعبية بدل التعطيل.. حزب الله يختبر آخر أوراقه للضغط على الدولة

كشفت مصادر سياسية لبنانية خاصة لـ"إرم نيوز" أن تحذيرات وصلت خلال الساعات الأخيرة إلى رئاسة الحكومة من احتمال لجوء حزب الله إلى تحركات شعبية "مدروسة"، بالتزامن مع وساطة سياسية يقودها الحزب التقدمي الاشتراكي برئاسة وليد جنبلاط، ومن خلفه حركة أمل، لاحتواء الخلاف المتصاعد داخل مجلس الوزراء حول آليات تنفيذ القرارات المتعلقة بملف السلاح.

وقالت المصادر المتابعة للتطورات السياسية الأخيرة في لبنان، إن هذه التحركات الشعبية، إذا تقررت، لن تكون مفتوحة أو خارجة عن السيطرة، بل ستبقى ضمن سقوف سياسية وأمنية محددة، هدفها ممارسة الضغط على الحكومة والتأثير في طريقة تنفيذ القرارات، من دون الوصول إلى حد إسقاط حكومة نواف سلام أو إدخال البلاد في مواجهة داخلية.

وأضافت أن الاتصالات الجارية بين القوى السياسية تركز على منع انتقال الخلاف من طاولة مجلس الوزراء إلى الشارع، في ظل إدراك جميع الأطراف أن أي انفجار داخلي سيقوض الجهود المبذولة لتثبيت الاستقرار واستكمال تنفيذ التفاهمات الأمنية القائمة.

خلاف على الآليات لا على أصل القرار
وبحسب المصادر، فإن الأزمة داخل مجلس الوزراء لم تعد تتعلق بمبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، بعدما أصبح هذا القرار جزءًا من الالتزامات التي قطعتها الحكومة اللبنانية أمام الداخل والخارج، وإنما تتركز حول كيفية تنفيذه وتوقيته والضمانات السياسية والأمنية المرافقة له.

وأوضحت أن الوزراء المحسوبين على الثنائي الشيعي يطالبون بمناقشة تفاصيل التنفيذ قبل الانتقال إلى أي خطوات ميدانية جديدة، بينما تتمسك غالبية القوى الحكومية بالإبقاء على القرارات الأساسية كما هي، مع استعدادها لبحث الآليات التنفيذية بما يحافظ على التوافق داخل مجلس الوزراء.

وترى المصادر أن هذا التباين دفع الحزب التقدمي الاشتراكي، بدعم من رئيس مجلس النواب نبيه بري، إلى تكثيف الاتصالات مع مختلف الأطراف، سعيا إلى تخفيف الاحتقان ومنع تحوله إلى أزمة حكومية مفتوحة، تقوم على إعادة طرح القرارات التي سبق حسمها سياسيا.

وأضافت أن هدف الوساطة ليس تعديل جوهر القرارات، وإنما توفير مساحة تسمح لجميع القوى بالمشاركة في مناقشة آليات التنفيذ، بما يحفظ استمرارية الحكومة ويمنع وصول الخلاف إلى مرحلة التعطيل.

حزب الله يلوح بالشارع
في المقابل، تشير المصادر إلى أن حزب الله يدرك أن خياراته السياسية أصبحت أكثر ضيقا من السابق، ولذلك يسعى إلى استخدام أوراق ضغط داخلية أقل كلفة من المواجهة المباشرة، وفي مقدمتها التحركات الشعبية المنظمة.

وتوضح أن المقصود بهذه التحركات ليس إطلاق موجة احتجاجات واسعة أو إسقاط الحكومة، وإنما تنظيم تحركات "مدروسة" في الضاحية الجنوبية وبعض مناطق الجنوب والبقاع، بهدف توجيه رسائل سياسية وتهديدات مبطنة، مفادها أن أي محاولة لفرض آليات تنفيذ لا تحظى بتوافق داخلي ستنعكس على الاستقرار السياسي.

وتلفت المصادر إلى أن الحزب يحرص رغم ذلك، على عدم الانزلاق إلى أي احتكاك مع الجيش اللبناني أو القوى الأمنية، وخاصة في هذه المرحلة، إدراكا منه أن أي صدام من هذا النوع سيضعه في مواجهة مباشرة مع الدولة اللبنانية، وسيمنح خصومه في الداخل والخارج أوراقا إضافية للضغط عليه. 

كما أن الحزب يدرك أن البيئة اللبنانية، بما فيها جمهوره، تعيش أوضاعا اقتصادية ومعيشية صعبة، ولا تبدو مستعدة لتحمل أزمة داخلية جديدة أو الدخول في مواجهات مفتوحة تعطل مؤسسات الدولة.

لماذا يرفض الجميع إسقاط الحكومة؟
ترى المصادر أن الحديث عن إسقاط الحكومة لا يعكس مصلحة أي من القوى الأساسية، بما فيها حزب الله نفسه، لأن البديل سيكون فراغا سياسيا في لحظة يحتاج فيها لبنان إلى حكومة فاعلة لمتابعة ملفات أمنية واقتصادية معقدة.

وتشير إلى أن الحكومة تتولى حاليا إدارة ملفات شديدة الحساسية، من بينها استكمال انتشار الجيش اللبناني، ومتابعة الاتصالات الدولية المرتبطة بالوضع الحدودي، وإدارة ملف إعادة الإعمار، فضلا عن الإصلاحات المطلوبة للحصول على الدعم الخارجي.

وترى المصادر أن انهيار الحكومة في هذا التوقيت سيؤدي إلى تعطيل هذه الملفات مجتمعة، وسيضع لبنان أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، وهو ما لا يخدم أيا من القوى السياسية، مهما بلغت حدة خلافاتها.

ولهذا، فإن أقصى ما يمكن أن تذهب إليه الضغوط الحالية هو محاولة تعديل بعض آليات التنفيذ أو إبطاء وتيرتها، وليس إسقاط السلطة التنفيذية أو إدخال البلاد في فراغ سياسي جديد.

إدارة التوازنات بدل كسرها
وتخلص المصادر إلى أن لبنان دخل مرحلة مختلفة، انتقلت فيها المواجهة من ساحات الاشتباك إلى المؤسسات السياسية، حيث بات الصراع يدور حول كيفية تنفيذ القرارات لا حول وجودها.

وتضيف أن الأسابيع القليلة المقبلة ستشهد على الأرجح استمرار الوساطات السياسية بالتوازي مع ضغوط شعبية محدودة، في محاولة من كل طرف لتحسين موقعه التفاوضي من دون تجاوز الخطوط الحمراء التي قد تدفع البلاد إلى أزمة أكبر.

وتؤكد المصادر أن نجاح الحكومة في عبور هذه المرحلة سيعتمد على قدرتها في المحافظة على التوازن بين المضي في تنفيذ التزاماتها دون الالتفات لحزب الله،  وفتح المجال أمام نقاش سياسي يخفف الاحتقان، ويمنع انتقال الخلاف من مجلس الوزراء إلى الشارع اللبناني.