المصدر: إرم نيوز
الجمعة 23 كانون الثاني 2026 16:57:46
كشفت مصادر أمنية وعسكرية لبنانية، أن حزب الله بدأ خلال الأسابيع الأخيرة إعادة صياغة انتشاره الميداني في جنوب لبنان وفق مقاربة جديدة تقوم على "تقليل البصمة وتكثيف التحصين"، بعدما تسببت الضربات الإسرائيلية المتواصلة بتآكل جزء من بنيته التشغيلية فوق الأرض، وفرضت عليه واقعا أمنيا مختلفا لا يسمح بالعودة إلى الشكل التقليدي للحضور.
وأكدت المصادر، في حديثها لـ"إرم نيوز"، أن هذا التحول الجاري لا يقتصر على نقل السلاح أو تبديل نقاط التخزين، بل يشمل ما تصفه الأوساط الأمنية بـ"هندسة بقاء" كاملة، تشمل شبكة انتشار طبقية، خطوط حركة قصيرة، نقاط صغيرة قابلة للتبديل، وإدارة ميدانية أكثر حذرا من أي وقت مضى.
وتضيف المصادر أن الحزب بات يتعامل مع الجنوب كساحة مراقبة دقيقة لا كساحة تمركز مفتوح، في محاولة لتفادي مزيد من الاستنزاف، وقطع الطريق على بنك أهداف يتوسع يوما بعد يوم.
في المقابل، ترى جهات أمنية لبنانية أن هذه التحركات تحمل مفارقة واضحة؛ مشيرة إلى أن الحزب يريد إثبات أنه لا يزال موجودا وممسكا بالأرض، لكنه في الوقت نفسه مضطر لإخفاء هذا الوجود وتخفيفه؛ لأن أي تثبيت مكشوف سيمنح إسرائيل فرصة "صيد سهل" وإيقاع خسائر أكبر.
من التمركز إلى "الطبقات"
تؤكد المصادر أن الحزب انتقل تدريجيا من نموذج "التمركز" إلى نموذج "الطبقات". طبقة أولى يمكن وصفها بأنها هامشية، أقل حساسية، وأقرب إلى إظهار وجود اجتماعي - تنظيمي محدود، بينما تُدار الطبقة الثانية باعتبارها العمود الحقيقي للقدرة، من خلال مواقع أكثر صلابة، أقل ظهورا، وحركة محسوبة بعناية.
وتضيف المصادر أن هذا النموذج الجديد يعكس استيعاب الحزب لطبيعة المرحلة؛ بأن أي حركة كبيرة أو موقع ثابت أو نمط متكرر سيجعل المهمة أسهل أمام عمليات الرصد والاستهداف، ما دفعه إلى تقليل النقاط الثقيلة لصالح توزيع أكثر تفتتا، وترك مساحات رمادية لا تعطي صورة واضحة عن شكل انتشاره الحقيقي.
يصف مصدر أمني لبناني هذا التحول بأنه "انسحاب تكتيكي داخل نفس الجغرافيا"، بمعنى أن الحزب لم يغادر الأرض فعليا، لكنه غيّر طريقة الوجود عليها. الهدف، وفقا للمصدر، هو الاحتفاظ بالقدرة من دون دفع فاتورة الظهور، والإبقاء على عنصر المفاجأة من دون توفير أهداف ثابتة قابلة للاصطياد.
وتظهر القراءة الأمنية أن الحزب بات يراهن على مبدأ بسيط، يفترض أن القدرة التي لا تُرى قد تكون أقل تأثيرا على المدى القصير، لكنها أصعب تفكيكا على المدى الطويل.
سلاح أقل حركة وأكثر قيمة
وفقا للمصادر، فإن أبرز ما تبدل خلال الفترة الأخيرة هو "شكل نقل السلاح" داخل الجنوب ومحيطه. ففي مراحل سابقة، كان الحزب يعتمد على خطوط إمداد أو قوافل صغيرة نسبيا ضمن شبكات معروفة، أما اليوم فهو يتجه إلى نمط مختلف، عماده قِطع أقل عددا، أعلى قيمة، وأكثر قدرة على الاختفاء.
تختصر المصادر هذا الأسلوب بأنه "من القافلة إلى الرزمة"، بمعنى نقل محدود وبمسارات أقصر، وضمن توقيتات سريعة، مع تقليل أي إشارات يمكن أن تُفهم لاحقا على أنها نمط ثابت. وتضيف أن الحزب، بعد سلسلة ضربات دقيقة، بات أكثر حساسية تجاه فكرة أن يكون "الطريق نفسه" أو "البيت نفسه" أو "النقطة نفسها" جزءا من روتين يومي؛ لأن الروتين هو ما يحوّل الشبكة إلى هدف.
هذا التحول لا يعني بالضرورة أن الحزب استعاد قدرته السابقة أو أن مخزونه عاد كما كان، بل يعني أنه يحاول حماية ما تبقى من القدرة عبر جعلها أقل عرضة للاستهداف. وفي ميزان العمل العسكري، حماية القدرة قد تكون أهم من استخدامها في توقيت غير مناسب، خاصةً عندما يكون الطرف الآخر قادرا على تحويل أي خطأ صغير إلى خسارة كبيرة.
وتشير المصادر إلى أن هذه المقاربة تعكس أيضا أزمة ثقة داخلية، ذلك أن الحزب يدرك أن أي ضربة جديدة قد لا تضرب مخزنا فقط، بل تضرب معنويات البيئة الحاضنة وتعيد فتح سؤال: "إلى أين يتجه جنوب لبنان؟"، في لحظة لا يريد فيها الحزب فتح نقاشات سياسية داخلية واسعة.
الجنوب كساحة اختبار
تقول المصادر الأمنية إن الجنوب اليوم لم يعد ساحة "اشتباك يومي" بقدر ما صار ساحة اختبار وتثبيت معادلات. الحزب يراقب ويقيس ويعيد توزيع نقاطه وفق ثلاثة أهداف متوازية؛ منع الفراغ، تفادي الاحتكاك الكبير، وإبقاء القدرة على الرد موجودة دون أن تتحول إلى حرب شاملة.
وتضيف المصادر أن الحزب لا يريد أن يظهر بمظهر من يتراجع تحت الضغط، لكنه أيضا لا يملك رفاهية فتح مواجهة واسعة في ظرف دولي وإقليمي ضاغط؛ لذلك يتمدد من خلال تكتيك أقل ضجيجا عبر نقاط صغيرة قابلة للتبديل، انتشار مرن، وعمل ميداني يراهن على "التأثير الصامت" بدل الاستعراض.
في المقابل، تُحذر جهات أمنية من أن هذا النوع من الانتشار يزيد حساسية الأرض ويجعل أي حادث صغير قابلا للتضخم سريعا؛ لأن تعدد النقاط الصغيرة يعني تعدد احتمالات الخطأ، وتعدد احتمالات أن يقع احتكاك غير محسوب يقلب مسار التهدئة إلى انفجار موضعي.
وتعتبر مصادر أمنية أن أخطر ما يواجه الجنوب في هذه المرحلة هو أن يتحول إلى "حافة حرب" دائمة، أي لا سلم كامل يتيح إعادة الإعمار أو استعادة الاقتصاد، ولا حربا كاملة تُحسم بنتيجة واضحة. وفي هذا النوع من المراحل الرمادية، تعيش المجتمعات تحت ضغط مستمر، ويصبح الاستنزاف جزءا من الحياة اليومية.
"خلايا تشغيل"
بحسب المصادر، فإن التحول لا يقتصر على الأرض والمخازن، بل يمتد إلى شكل القيادة الميدانية، فالحزب بات يعتمد أكثر على ما يشبه "خلايا تشغيل" صغيرة تُنجز مهامها ضمن نطاق محدود، وتقلل من الاتصالات المفتوحة والحركة التقليدية للكوادر المعروفة.
وتضيف المصادر أن هذا الأسلوب يعكس إدراكا لتغير قواعد اللعبة؛ إذ ليس المطلوب فقط تجنب الاستهداف، بل تجنب "التعقب"، أي ألا يترك الحزب أثرا يمكن أن يُجمع تدريجيا لتكوين صورة كاملة عن انتشاره. لذلك تتغير الأسماء، تتحرك المجموعات بأحجام أقل، وتُدار القرارات الميدانية ضمن دوائر أقرب إلى اللامركزية الحذرة.
لكن، وفق تقدير أمني، لهذا التحول ثمنه أيضا؛ فاللامركزية قد تمنح مرونة، لكنها قد تخلق بطئا أو سوء تقدير في بعض الحالات، خاصةً إذا تزامن ذلك مع ضغط نفسي متواصل، وخسارة كوادر، وتراجع قدرة الحركة الطبيعية التي كانت تمنح الحزب أفضلية في إدارة الأرض لعقود.
مصدر أمني قال، لـ"إرم نيوز"، إن الحزب يحاول سد هذا النقص عبر "التدريب السريع وإعادة توزيع المهام"، لكن الفارق بين إعادة توزيع القوة وبين استعادة الفعالية ليس مضمونا دائما، خاصةً عندما تكون المعركة الحقيقية هي ضد الرصد المستمر لا ضد قوة برية تقليدية.
في المحصلة، تكشف المعطيات الميدانية أن حزب الله لا يعيش مرحلة "ترميم" بالمعنى التقليدي، بل مرحلة إعادة تصميم للبقاء تحت الضغط، عبر تقليل البصمة، تحويل الانتشار إلى طبقات، نقل السلاح كقطع صغيرة عالية القيمة، وإدارة ميدانية أكثر انغلاقا.
وفي المقابل، تعتقد جهات أمنية أن هذا التحول يؤكد أن الجنوب دخل مرحلة جديدة، حيث لا عودة سهلة إلى قواعد ما قبل الضربات، ولا قدرة على فرض معادلة ردع ثابتة كما كانت، بل واقع رمادي تُختبر فيه الحدود كل يوم، وتُدفع كلفته على الأرض بصمت.