تخلى عن خطة الجليل.. "حزب الله" يتبنى استراتيجية "الحرب المنخفضة"

تؤكّد مصادر استراتيجية وعسكرية أنّ ميليشيا "حزب الله" أصبحت تتبنّى استراتيجية "الحرب منخفضة الشدّة"، عقب الضربات الشديدة والقاصمة التي تعرضت لها والخسائر الكبيرة في الأرواح وفي ترسانتها الصاروخيّة. 

واعتبر تقرير حديث صادر عن مركز "ألما" للدراسات والأبحاث الأمنيّة في إسرائيل أن منظومة "حزب الله" العسكرية تشهد حالياً "مرحلة انتقالية" عميقة، متحوّلة من هيكلية "شبه جيش موسّع" إلى نموذج "مبعثر ومرن" في الوقت نفسه. 

ويعتمدُ "النموذج المبعثر والمرن" على حرب العصابات والاستنزاف طويل الأمد، وذلك في أعقاب الضربات الخاطفة وتداعيات التغيرات الإقليمية الأخيرة. 

التخلي عن الخطط الكبرى 
ووفقا للتقييم الصادر لمركز "ألما"، فإنّ خطط ميليشيا "حزب الله" الكبرى التي سبقت أحداث أكتوبر 2023 قد انقضت عمليا، وانتهت بشكل كامل. 

ويشير إلى أنّ خطة الغزو البري للجليل تمّ إلغاؤها بشكل نهائيّ بعد تدمير البنية التحتية الحدودية، وانهيار الخطوط الدفاعية الصلبة جنوب نهر الليطاني، فضلا عن تراجع قدرة المنظومة الصاروخية على تنفيذ هجمات كاسحة ومكثفة.

وبناء على هذا المشهد، وفي ظل هذه المعطيات العسكرية الميدانية، تتجه قيادة الميليشيا إلى تبني استراتيجية عسكرية جديدة قوامها "الحرب منخفضة الشدّة". 

الأركان الثلاثة للحرب المنخفضة 
وحسب تقرير مركز ألما، تقوم هذه الاستراتيجية على ثلاثة أركان أساسية وهي:  

أولاً، الاعتماد على الخلايا الصغيرة المتكونة من مجموعات محدودة العدد التي يركز نشاطها على نصب الكمائن بالعبوات الناسفة.  

ثانياً، التركيز على المسيرات الانقضاضية كركيزة أساسية في بناء القوة الحالية، على الرغم من المعاناة الشديدة التي تعرفها الميليشيا جراء نقص المهندسين والخبراء التقنيين والقيود الفنية المفروضة. 

ثالثاً، استبدال الرشقات المكثفة والصليات المركزة بإطلاق صاروخي متفرق ومن مناطق متعددة للحفاظ على مبدأ استمرارية القتال وتقديم انطباع عن انتشار الميليشيا على طول الحدود مع إسرائيل.

ويستدرك تقرير "ألما" أنّ هذا التراجع لا يعني انتهاء الميليشيا عسكريا أو دخولها في مرحلة "موت سريري"، بقدر ما يعني أنّ فلسفتها القتالية تغيرت بشكل راديكالي. 

تهديدات ميدانية جديدة 
في هذا السياق، يرصد التقييمُ سيناريوهات رئيسة للتهديد الميداني داخل المنطقة الأمنية الإسرائيلية في جنوبي لبنان والمسماة بالخط الأصفر. 

ومن بين السيناريوهات الأساسية، سيناريو "المُقاتل المحتجز"، والمتمثل في العناصر المتبقية داخل البنية التحتية والانفاق المعزولة، بما يُشكل خطرا مستمرا أثناء عمليات المسح، وتُشكّل مُرتفعات "علي الطاهر" أفضل تأكيد على صحة المقاربة الإسرائيلية.

ومن بين السيناريوهات أيضا، محاولات التسلل الموضعية، عبر تنفيذ عمليات خاطفة ونصب عبوات ناسفة داخل الشريط الأمني المعروف بـ"الخطّ الأصفر". 

أمّا آخر المخططات، فهو سيناريو "الفخاخ والبنية التحتية"، والمتجسد في المخاطر الناجمة عن الكميات الضخمة من الأسلحة الملغومة والمتروكة في القرى والمباني السكنية.   

قدرات المنظومة والقيود الإقليمية
وعند استقرائه للأسباب العميقة التي دفعت الميليشيا" إلى تبني هذه المقاربة، يُشيرُ التَّقريرُ إلى تراجع ترسانة "حزب الله" الصاروخية إلى أقلّ من 15 ألف صاروخ، مع انخفاض عدد أفراده إلى أقل من 40 ألف مقاتل، بعد خسارة نحو 10 آلاف عنصر (بين "نظامي" واحتياط) خلال المُواجهات. 

كما يلفت التقرير إلى تراجع فاعلية "المنظومات الاستراتيجية" كالصواريخ الدقيقة والدفاع في المناطق الساحلية.

وعند جرده للصعوبات اللوجستية، يؤكد "ألما" أنّ ميليشيا "حزب الله" ومعه "فيلق لبنان" التابع لقوة القدس الإيرانية يتعرضان حاليا إلى قيود مشددة للغاية؛ إذ أدى سقوط نظام الأسد في سوريا (ديسمبر 2024) إلى تحول الأراضي السورية من "طريق سريع ومفتوح للإمداد" إلى بيئة تهريب معقدة تتعرض لعمليات ضبط واعتراض متزايدة.

 هذا بالإضافة إلى تشديد الرقابة على المرافئ والمطارات اللبنانية، مع تواصل الضربات الإسرائيلية ضد قادة إعادة بناء القوة العسكرية وترميم الجسم القتالي وتأمين شحنات الأسلحة.

في المحصلة، يستنتج التقرير أنّ ميليشيا "حزب الله"، رغم الأضرار غير المسبوقة التي لحقت ببنيته العسكرية والسياسية، لم يُهزم كليا وما يزال يواصل استغلال مرونته للتكيّف. 

ويدعو في المقابل القوى الميدانية الإسرائيلية إلى التعامل مع التهديد الجديد باعتباره استنزافا أمنيا معقدا يتطلب استهداف عمليات إعادة البناء والتصنيع والتهريب في مهدها قبل استعادة الميليشيا قدراتها الاستراتيجية.